
الصفقة دي كانت مشروع استثماري ضخم على أرض في منطقة العاصمة الإدارية الجديدة، قيمتها تجاوزت ال 250 مليون جنيه. شريف كان فاكر إنه هو اللي ماسك زمامها، إنه اللي اقترب من المستثمرين، إنه اللي جهز الأوراق.. وهو كان غلطان من أوله لآخره. الحقيقة إن ندى هي اللي عرفت بالفرصة من خلال عملها كمديرة تنفيذية في واحدة من أكبر الشركات الاستثمارية، هي اللي جمعت البيانات، هي اللي أعدت الدراسات الجدوى، وهي اللي فتحت الأبواب المغلقة ووصلت للمستثمرين الكبار اللي ما كانش شريف يقدر يلاقيهم حتى في أحلامه.
وكانت عملت كل ده باسم شريف، عشان حبها، عشان تبنى معاه بيت، عشان يبقى لهم مستقبل مش محتاجين حد فيه. كانت تقول لنفسها الراجل لازم يكون ليه مكانته وقيمته قدام الناس، فأعطته كل حاجة، وسلمته كل شيء، وفضلت هي في الخلفية، تدير وتشرف وتصحح له الأخطاء من غير ما حدش يعرف، حتى هو نفسه ما كانش واخد فكرة حقيقية عن حجم الدور اللي بتلعبه. كان فاكر إن الصفقة جاتله صدفة، أو بذكائه ومجهوده.. والغفلة دي كانت هي السبب في الكارثة اللي هتحل به وبأمه.
من بعد ما أغلقت السماعة مع المحامي سامح، ندى فضلت قاعدة في التاكسي، عيونها تطلع على شوارع القاهرة اللي كانت هادية في ذلك الوقت من الليل، وقلبها مش بيخفق من الحزن ولا من الألم.. لا، كان بيخفق من العزيمة، من القوة اللي اكتشفتها جواها فجأة. كانت سمعت صوت شريف وهو بيصرخ وراها أنتِ مش عارفة بتعملي إيه!.. وهو كان صادق، بس مش بالمعنى اللي هو فاهمه. هو ما كانش يعرف إنها بتعرف
تماماً بتعمل إيه، وإن كل خطوة هيخطاها محسوبة بدقة من قبل ما هو يولد أصلاً.
وصلت لفندق فخم في وسط القاهرة، استأجرت جناحاً فخماً، ودخلت أوضتها، قفلت الباب وراها، ولأول مرة من ساعات سمحت لدمعة واحدة تنزل على خدها.. دمعة واحدة بس، وبعدها مسحتها بيدها، وابتسمت بابتسامة ما كانش فيها أي فرح، لكنها كانت مليئة بالتصميم. فتحت اللاب توب بتاعها، وبدأت تعمل ما لازم يتعمل.
أول شيء عملته إنها دخلت على نظام الشركة الآمن، وبدأت تراجع كل تفاصيل الصفقة. كل العقود، كل الاتفاقيات، كل التواصلات، كل الأسرار.. كل حاجة كانت بإيدها، لأنها هي اللي أنشأتها وأدارتها. والصفقة دي لسه في مرحلة التوقيع النهائي، لم تكن قد اكتملت بعد، وكل شيء مرهون بموافقتها النهائية وتوقيعها على الأوراق الرسمية كشريك أساسي ومفوض من قبل المستثمرين.
شريف كان فاكر إن التوقيع بس مجرد إجراء شكلي، إن الصفقة خلاص في جيبه، إن الفلوس هتجيبه من كل حتة، إنه هيبقى من رجال الأعمال الكبار.. وهو ما كانش يعرف إن القلم اللي هيستلمه للتوقيع عليه ما كانش هيتحرك إلا لو هي سمحت له.
في الصباح الباكر، الساعة 8 صباحاً، كان المحامي سامح واقفاً قدام باب الفندق حاملاً حقيبة الأوراق، وعندما دخل لقى ندى قاعدة بشموخ، ملابسها مرتبة، وجهها نظيف، ولا أثر للدموع عليه، كأن شيئاً ما لم يحدث.
أستاذة ندى.. كل حاجة جاهزة كما طلبتي قالها سامح باحترام، وهو عارف مدى خطورة الموقف، وعارف كمان قوة ندى ونفوذها في الوسط الاستثماري.
ندى أخذت الأوراق ووضعتها جنبها على الطاولة، ثم قالت بصوت واثق ثابت لا يهتز
شكراً لك يا أستاذ سامح. الآن أريدك أن تبلغ شريف فوراً بثلاثة أشياء أولاً، أنا تقدمت بطلب الطلاق رسمياً وأنتِ الوكيل عني في كل الإجراءات. ثانياً، الصفقة الاستثمارية التي كان ينتظرها بلهفة قد أُلغيت بالكامل من جانبي، ولن تتم بأي شكل من الأشكال. ثالثاً، أبلغه أنه ليس لديه أي حق في أي شيء يتعلق بتلك الصفقة، لأن كل ما كان يملكه منها هو مجرد وعد مني، والوعد انتهى.
سامح اتسعت عيناه بصدمة
أستاذة ندى.. أنتِ عارفة إن الصفقة دي قيمتها ملايين، وإن إلغاءها هيعني خسارة فادحة لشريف.. بل وربما يدمّره تماماً؟
ندى رفعت عيناه ونظرت له بنظرة حادة
وأنتَ عارف إنهم ليلة أمس أهانوني، وضربوني، واتعاملوا معاي كأنني خادمة اشتروها بفلوسهم.. ألم يكن من المفكر أن يفكروا في العواقب حينها؟ أنا لم أطلب منهم احتراماً زائداً، أنا فقط طلبت ألا يُكسروا كرامتي.. وهم كسروها، فلا يلومن إلا أنفسهم.
وصلت الرسالة لشريف في نفس الوقت اللي كان قاعد فيه مع أمه ماجدة في الفيلا، وكلهم بيتكلموا عن كيف إن ندى هتعتذر وتعود من نفسها، وكيف إن الحياة هتمشي زي ما هم عاوزين. لما سمع شريف الكلام من المحامي، ضحك في الأول استهزاءً، وقال للمحامي هي مجرد غاضبة شوية، هتروح وتتعقل وتيجي بنفسها تعتذر وتكمل الصفقة، لكن لما سمع المحامي إن ندى فعلاً ألغت الصفقة وسحبت كل شيء، اتغير لون وجهه، وقام من مكانه بسرعة كأن صاعقة ضربته.
ماجدة لاحظت تغير حاله فسألت بقلق
فيه إيه يا ابني؟ وجهك أصفر كده ليه؟ المحامي قال إيه؟
شريف بص لها بصدمة وذهول
قال.. قال إن ندى ألغت الصفقة.. قالت إنها خلاص انتهت، ومش هتتم أبداً!
ماجدة ضحكت بصوت عالي كأنها سمعت نكتة سخيفة
تتكلمي إيه؟ دي الصفقة دي كلها بيدك أنتَ! هي دخلتها منين بس؟ هي فاكرة نفسها مين؟ تمسك نفسك يا ابني، دي مجرد بنت مجنونة بتقول كلام عشان تغيظك، وهي راجعة تانيه تدوس على رجليك وتعتذر!
لكن كلامها ما كانش له أي تأثير على شريف، لأنه بدأ يفتكر كلامها، بدأ يفتكر إن كل خطوة في الصفقة كانت بتتم بمعرفتها ومساعدتها، بدأ يفتكر إن هو ما كانش يعرف حتى نصف التفاصيل الدقيقة اللي كانت تعرفها هي.. وبدأت قلبه تضيق، وبدأت الكوابيس تملأ رأسه.




