Uncategorized

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

ظللت أحدق في الورقة، ولم أستطع أن أقرأ السطر التالي.

كانت يداي ترتجفان.

رفعت عيني نحو الرجل الواقف أمامي.

كنت أعرفه منذ طفولتي.

كان يدخل بيتنا دون استئذان، ويجلس مع أبي لساعات، ويحضر مناسبات عائلتنا، وكنت أعتبره واحدًا من أقرب الناس إلينا.

كان اسمه سامح.

قلت بصوت مكسور:

—إنت؟

لم يجب.

قال حسن:

—اقرئي الرسالة للآخر يا نور.

خفضت عيني إلى الورقة.

وأكملت القراءة.

«سامح هو الشخص الذي وثقت به أكثر من أي شخص آخر. وهو الشخص الذي اكتشفت أنه كان يسرق من شركتي ويعمل مع مراد.»

شعرت بأنني لا أستطيع التنفس.

رفعت عيني.

—إنت اللي كنت بتسرق فلوس أبويا؟

ابتسم سامح.

—أبوك كان عايش في عالم مثالي. كان فاكر إن كل الناس عندها مبادئ.

قال حسن بغضب:

—وأنت بعت صاحبك علشان الفلوس.

ضحك سامح.

—صاحبك مات من زمان يا حسن.

صرخت:

—إنت اللي قتلته؟

ساد الصمت.

ثم قال:

—أنا ما كنتش ناوي أقتله.

توقفت أنفاسي.

—أمال؟

—أبوك واجهني بالمستندات.

نظر إلى مراد.

—ومراد كان عايز ياخد الملفات بأي طريقة.

قالت أمي وهي تبكي:

—أنا طلبت منهم يسيبوه.

التفت إليها.

—إنتِ كنتِ عارفة؟

قالت:

—كنت عارفة إن سامح كان بيسرق… لكني ما كنتش أعرف إنه هيوصل للقتل.

شعرت بالغضب.

—وسكتي؟

—كنت خايفة.

—وخوفك خلاكي تسيبي حسن يموت؟

لم تستطع الرد.

تقدم سامح خطوة.

—كفاية كلام عن الماضي.

ثم أشار إلى الورقة.

—إنتِ عايزة تعرفي فين باقي فلوس أبوكي، صح؟

نظرت إليه.

—أي فلوس؟

ضحك.

—أبوك ما حطش كل ثروته في المؤسسة.

أخرج ورقة أخرى.

—كان فيه صندوق ائتماني سري.

تذكرت كلام حسن.

الأمانة السرية.

قلت:

—الصندوق موجود فين؟

قال:

—لوحده… ومحدش يقدر يلمسه غيرك.

—ليه أنا؟

—لأن أبوكي حطه باسمك.

ثم أضاف:

—لكن فيه شرط.

—إيه؟

—لازم تثبتي إنك عرفتي الحقيقة كاملة.

نظرت إلى حسن.

ثم إلى أمي.

ثم إلى كريم.

وفهمت أن أبي كان يعرف أن الخيانة قد تأتي من أقرب الناس.

حتى بعد موته، كان يحاول حمايتي.

في تلك اللحظة وصلت الشرطة.

كنت قد أرسلت موقع المخزن قبل دخولي.

حاول سامح الهرب، لكن رجال الشرطة أوقفوه.

أما مراد، فتم القبض عليه بعد ظهور المستندات والتحويلات التي تثبت تورطه.

كريم كان مصابًا، لكنه نجا.

أما أمي…

فلم أستطع النظر إليها.

بعد سنوات من الثقة، لم أعد أعرفها.

بعد أيام، ذهبت إلى البنك ومعي المستندات.

كان هناك حساب ائتماني باسم والدي.

وعندما فتح الموظف الملف، ظهرت أرقام جعلتني غير قادرة على الكلام.

كانت هناك أموال ضخمة تركها أبي لي.

لكن المفاجأة لم تكن في المبلغ.

بل في الرسالة التي تركها معه.

قرأتها بصوت مرتجف:

«نور، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أحميكي بنفسي. لكني كنت واثق إنك هتكبري وتصبحي أقوى مني. الفلوس دي مش مكافأة ليكي… دي فرصة تبدأي حياة ما يكونش فيها الخوف هو اللي يحكمك.»

توقفت عن القراءة.

ثم وجدت جملة أخرى:

«وحافظي على حسن. لأنه الشخص الوحيد الذي ظل وفيًا لي عندما خذلني الجميع.»

بدأت أبكي.

مرت شهور.

تعافى حسن جزئيًا، وانتقل للعيش معي.

أعدت له علاجه بالكامل، وبدأت أتابع حالته بنفسي.

أما أمي، فقد واجهت التحقيقات بسبب الأموال التي تم سحبها وإخفاء الأدلة.

لم أطلب الانتقام.

كنت فقط أريد الحقيقة.

كريم قرر التعاون مع التحقيقات، واعترف بكل ما يعرفه عن التحويلات.

أما سامح ومراد، فقد ظهرت ضدهم أدلة كثيرة.

لكن أكثر شيء بقي في ذاكرتي لم يكن القبض عليهم.

كان ذلك اليوم الذي عدت فيه إلى بيتنا القديم.

دخلت غرفة أبي.

جلست أمام مكتبه.

وجدت صورة قديمة لنا.

كنت طفلة صغيرة، وهو يحملني بين ذراعيه.

وعلى ظهر الصورة كتب:

«لو في يوم حسيتِ إن كل الناس خذلتك… افتكري إنك أقوى من اللي حصل لك.»

وضعت الصورة على صدري.

وفهمت أخيرًا أن أبي لم يترك لي المال فقط.

ترك لي الحقيقة.

وترك لي فرصة أبدأ من جديد.

أما الرحلة البحرية التي كلفت عائلتي كل تلك الأموال…

فلم تكن مجرد رحلة.

كانت بداية سقوط شبكة كاملة من الأكاذيب والخيانة.

والشيء الذي بدأ بزجاجة دواء مليئة بالماء…

انتهى بكشف سر أخفته عائلتي لأكثر من عشرين عامًا.

ومن يومها، تعلمت درسًا لن أنساه أبدًا:

أحيانًا، الشخص الذي تظنه أقرب الناس إليك… يكون هو الشخص الذي يجب أن تبحث عن حقيقته أولًا.

تمت
حكايات محمد عبده

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى