
التفتت ندى ببطء، وارتجفت أناملها وهي تشد يد آدم.
همست دون وعي:
ـ أستاذ فؤاد…
اقترب الرجل المسن، وقد غزا الشيب شعره، لكنه احتفظ بنفس الوقار الذي تتذكره.
قال بصوت هادئ:
ـ عرفتيِني؟
أومأت برأسها.
كان فؤاد العشري الشريك السابق لوالدتها، والرجل الذي اختفى من حياتهم فجأة قبل أكثر من عشرين عامًا.
قال وهو ينظر إليها بحزن:
ـ دورت عليكي سنين.
قطبت ندى حاجبيها.
ـ أمي قالت لي إنك خنتها، وسرقت تعبها.
تنهد الرجل طويلًا.
ـ لو كانت عايشة، كنت هطلب منها تسامحني… لكن الحقيقة غير اللي عرفتيها.
نظر كريم ويارا إلى بعضهما، بينما وقف عمر صالجزء الرابع
تعلّقت أنظار الجميع بالرجل المسن.
كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية قديمة، وعلى صدره بطاقة تعريف لإحدى شركات الطيران بصفة “مستشار قانوني”.
تقدّم خطوة وهو ينظر إلى ندى بعينين دامعتين.
وقال بهدوء:
ـ أنا اسمي المستشار فؤاد العشري… وكنت المحامي الشخصي لوالدتك.
تغيّر وجه ندى.
همست:
ـ حضرتك… الأستاذ فؤاد؟
أومأ برأسه.
ـ أيوه.
ـ ماما قالتلي قبل ما تموت إني ما أثقش فيك.
تنهد الرجل طويلًا.
ـ عارف… وده لأن أمك كانت بتحاول تحميكي.
سألته ندى بحيرة:
ـ تحميني من إيه؟
فتح حقيبته، وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا، مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال:
ـ والدتك سلمتهولي من خمس سنين… وقالتلي: “ما يفتحوش إلا لما بنتي تكون آمنة ومستقرة ومعاها أسرتها.”
نظر إلى عمر ثم إلى آدم، وابتسم.
ـ وأعتقد إن الوقت جه.
ناولها الظرف.
كانت يدها ترتجف وهي تفتحه.
في الداخل…
رسالة بخط يد أمها.
بدأت تقرأ بصوت مرتجف:
> “يا ندى… لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة. فيه حقيقة أخفيتها عنك طول عمري، مش خوفًا منك… لكن خوفًا عليك.”
حبست ندى أنفاسها.
واصلت القراءة.
> “أبوك الحقيقي مات قبل ما تتولدي بشهرين في حادث. والراجل اللي عرفتيه طول حياتك على إنه أبوكي… وافق يكتب اسمه في شهادة ميلادك علشان يحميكي.”
شهقت ندى.
وسقطت الرسالة من يدها.
ـ إيه؟!
حتى كريم ويارا وعمر تبادلوا النظرات في صدمة.
أكمل المستشار فؤاد بعدما التقط الرسالة:
ـ والدتك كانت ناوية تقولك الحقيقة بنفسها… لكن المرض سبقها.
سألت ندى بصوت مخنوق:
ـ طب… ليه كل ده؟
أخرج الرجل صورة قديمة.
كانت لامرأة شابة تحمل رضيعة بين ذراعيها.
وقال:
ـ لأن والدك الحقيقي كان شريكًا في شركة كبيرة… وكان له حق في أسهم وممتلكات اتجمدت باسم الورثة.
نظر إليها مباشرة.
ـ وإنتِ الوريثة الوحيدة.
ساد الصمت.
لكن ندى لم تهتم بكلمة “وريثة”.
كل ما كانت تريده هو إجابة واحدة.
قالت والدموع في عينيها:
ـ يعني… أنا عشت عمري كله مش عارفة مين أبويا؟
اقترب منها عمر ووضع يده على كتفها.
وقال بهدوء:
ـ اللي ربّاكي وأحبك هو أبوكي في المعنى… والحقيقة دي مش هتغيّر اللي عشتيه.
ابتسمت ندى وسط دموعها.
أما كريم…
فكان ينظر إلى آدم، وأدرك أن الدم وحده لا يصنع أبًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يفكر فيما خسره من مال أو مكانة…
بل فيما خسره من عمرٍ كامل مع ابنه.
يتبع…الجزء الخامس
ظل كريم واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بآدم.
كان الطفل يضحك وهو يحكي للدكتور عمر عن الرسمة التي فازت في المسابقة، غير مدرك أن حياته كلها أصبحت محور حديث الكبار.
اقترب كريم بخطوات بطيئة.
ثم انحنى حتى أصبح في مستوى آدم.
وقال بصوت مكسور:
ـ ممكن أسألك سؤال؟
نظر إليه آدم باستغراب، ثم هز رأسه.
ابتسم كريم بحذر.
ـ بتحب ترسم؟
أضاء وجه آدم.
ـ جدًا! ولما أكبر هبقى دكتور أطفال ورسّام… زي بابا عمر.
ارتجفت شفتا كريم.
حتى أحلام ابنه… كان رجل آخر جزءًا منها.
مد يده إلى جيبه، وأخرج سيارة صغيرة من المعدن كانت معلقة مع مفاتيحه.
قال:
ـ دي كنت محتفظ بيها من زمان… لو تحب، خدها هدية.
نظر آدم إلى أمه.
ابتسمت ندى وقالت:
ـ قول شكرًا.
أخذها الطفل بأدب.
ـ شكرًا يا… يا أستاذ.
توقفت الكلمة في قلب كريم كالسهم.
لم يقل “بابا”…
ولم يكن يلومه.
في تلك اللحظة، أعلن المطار عن موعد الصعود إلى الطائرة.
أمسك عمر بالحقائب، بينما انحنت ندى لتلبس آدم حقيبته الصغيرة.
لكن قبل أن يتحركوا، قال كريم:
ـ ندى… لو سمحتي.
التفتت إليه.
ـ أنا مش هطلب منك ترجعي.
ولا هقول إنك غلطانة.
أنا بس… بطلب فرصة أعرف ابني.
صمتت ندى للحظات.
ثم قالت بهدوء:
ـ القرار مش قراري لوحدي.
ونظرت إلى عمر.
ابتسم عمر ابتسامة هادئة وقال:
ـ وأنا عمري ما همنع طفل من إنه يعرف الحقيقة… لكن لازم كل حاجة تبقى بالتدريج، ومن غير ما نقلب حياته.
نظر كريم إليه بدهشة.
ـ بعد كل اللي حصل… هتساعدني؟




