
قاطعه والده.
“أنا مش بسألك عن الشركة.”
“أنا بسألك…”
“إزاي حولت فرحك لفضيحة قدام البلد كلها؟”
خفض كريم عينيه.
لأول مرة…
لم يجد أي مبرر.
…
وفي المساء…
كانت مريم تقف في شرفة منزلها.
الشمس كانت تغيب فوق النيل.
أمها خرجت بكوبين شاي.
ناولتها واحدًا.
وقالت بابتسامة:
“فاكرة لما كنتِ صغيرة ووقعتِ بالعجلة؟”
ضحكت مريم.
“وقلتِ لي وقتها… الجرح اللي يوجعك النهارده، هيقويكي بكرة.”
ابتسمت الأم.
“وأهو… طلع الكلام صح.”
رن هاتف مريم.
رقم غير مسجل.
ردت بهدوء.
جاءها صوت مألوف.
كان كريم.
قال بصوت مكسور:
“مريم… أنا عايز أقابلك.”
سكتت ثواني.
ثم قالت:
“ليه؟”
تنهد.
“لأن في حاجات لازم تعرفيها.”
ضيقت عينيها.
“زي إيه؟”
رد بصوت منخفض:
“سارة… ما كانتش بتشتغل لوحدها.”
تجمدت ملامح مريم.
“تقصد إيه؟”
قال:
“في حد أكبر مننا كلنا… وهو اللي بدأ اللعبة.”
وقبل أن تكمل سؤالها…
انقطع الخط.
نظرت مريم إلى الشاشة.
ثم إلى حسام الذي كان يقف عند باب الشرفة بعدما سمع آخر الجملة.
قال بهدوء:
“واضح إن القصة… لسه ما انتهتش.”مريم فضلت تبص لشاشة الموبايل.
المكالمة انتهت.
لكن الجملة الأخيرة فضلت ترن في ودنها.
“في حد أكبر مننا كلنا.”
حسام مد إيده.
“اديني الموبايل.”
راجع رقم المتصل.
ثم قال:
“الرقم ده اتقفل بعد المكالمة مباشرة.”
أمها خرجت من الشرفة وهي قلقة.
“في إيه؟”
مريم ردت بهدوء:
“واضح إن كريم عايز يخفف عن نفسه.”
لكن في داخلها…
كانت حاسة إن في جزء من كلامه حقيقي.
…
في صباح اليوم التالي…
وصلت مريم الشركة.
السكرتيرة وقفت أول ما شافتها.
“صباح الخير يا فندم… في طرد وصل لحضرتك.”
“من مين؟”
“مفيش اسم.”
كان صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
لا يحمل أي عنوان.
ولا أي شعار.
طلبت مريم من الأمن يفحصوه أولًا.
وبعد دقائق…
أكدوا إنه آمن.
فتحته بنفسها.
كان بداخله ثلاثة أشياء.
الأول…
فلاشة سوداء.
الثاني…
مفتاح قديم من النحاس.
أما الثالث…
فكان صورة قديمة جدًا.
اتسعت عيناها.
الصورة كانت لها…
لكن وهي في الخامسة عشرة من عمرها.
واقفة بجوار والدها قبل وفاته بأشهر.
خلف الصورة…
جملة واحدة مكتوبة بخط اليد:
“اسألي عن المشروع 17.”
شعرت بقشعريرة.
همست:
“إيه هو المشروع 17؟”
دخل حسام في نفس اللحظة.
نظر إلى الصورة.
ثم تجمد مكانه.
“الصورة دي… منين؟”
ناولته الصورة.
قرأ الجملة.
وتغير لون وجهه.
“مين يعرف الاسم ده؟”
سألته مريم بسرعة:
“إنت تعرفه؟”
تنهد ببطء.
“أعرفه…”
“لكن كنت فاكر إنه اتدفن من عشرين سنة.”
اقترب منها.
وقال بصوت خافت:
“أبوكي قبل وفاته كان شريكًا في مشروع تقني ضخم اسمه (المشروع 17).”
“المشروع اختفى فجأة.”
“وشريكين ماتوا في حوادث غامضة.”
“وأبوكي انسحب قبل وفاته بفترة قصيرة.”
شعرت مريم بأن أنفاسها تضيق.
“إنت بتقول إن اللي بيحصل دلوقتي… له علاقة بأبويا؟”
لم يجب حسام مباشرة.
بل أخرج الفلاشة.
ووضعها في جهاز منفصل عن شبكة الشركة.
ظهر ملف فيديو.
بدأ التشغيل.
ظهر رجل مسن يجلس في غرفة مظلمة.
نظر إلى الكاميرا وقال:
“إذا وصلت الرسالة دي لمريم الشناوي…”
“فده معناه إن حد رجع يدور على المشروع 17.”
ثم صمت لثوانٍ.
وأضاف:
“وابدئي بأنك ما تثقيش في أي حد… حتى أقرب الناس ليكي.”
توقفت الصورة فجأة.
وانتهى الفيديو.
ساد الصمت في المكتب.
ثم قالت مريم بصوت ثابت…
“يبقى المرة دي… أنا اللي هبدأ أدور.”
يتبع…في الليلة نفسها…
لم تنم مريم.
ظلت تعيد تشغيل الفيديو مرة بعد مرة.
كل مرة كانت تلاحظ تفصيلة جديدة.
وفي المرة الخامسة…
توقفت.
كبرت الصورة على وجه الرجل.
ثم همست:
“الخاتم…”
نظر حسام إلى الشاشة.
كان الرجل يرتدي خاتمًا فضيًا عليه نقش لنسر صغير.
اتسعت عيناه.
“أنا شفت الخاتم ده قبل كده.”
“فين؟”
“في إيد والد كريم.”
ساد الصمت.
…
في صباح اليوم التالي…
طلبت مريم عقد اجتماع مع مجلس إدارة الشركة.
دخل الجميع.
وقفت أمامهم بثبات.
وقالت:
“التحقيق هيستمر.”
“لكن من النهارده أي مستند قديم يخص تأسيس الشركة أو أي تعامل مع مجموعة عز الدين هيتراجع من أول وجديد.”
رفع المدير المالي يده.
“في ملف قديم محفوظ في الأرشيف من أيام والد حضرتك.”
التفتت إليه.
“هاتوه.”
بعد نصف ساعة…
وُضع صندوق معدني قديم على الطاولة.
كان عليه طبقة سميكة من التراب.
وفي أعلاه…
ملصق باهت مكتوب عليه:
ملفات 2003.
فتحت مريم الصندوق بنفسها.
كان مليئًا بالعقود والدفاتر.
وبين الأوراق…
وجدت ظرفًا أصفر مغلقًا بالشمع الأحمر.
كان مكتوبًا عليه بخط يد والدها:
“لا يُفتح إلا بواسطة مريم.”
ارتجفت يدها.
فتحت الظرف ببطء.
في داخله رسالة.
بدأت تقرأ بصوت منخفض:
> “يا مريم… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أحكيلك الحقيقة بنفسي. هتسمعي ناس تقول إني خسرت كل حاجة… لكن الحقيقة إني سبت كل حاجة بإرادتي. لأن في يوم اكتشفت إن النجاح اللي بيتبني على الخيانة… نهايته خراب. أوعي تثقي في أي حد يحاول ياخد شغلك باسم الحب.”
توقفت مريم.
دموعها نزلت لأول مرة منذ تركت قاعة الزفاف.
أغلقت الرسالة.
وقالت بصوت هادئ:
“أنا مش هكمل الطريق ده علشان أنتقم.”
ثم رفعت رأسها.
“هكمله… علشان أحافظ على اللي أبويا ضحى عشانه.”
نظر إليها أعضاء المجلس باحترام.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف حسام.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلق الخط.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“النيابة وافقت على طلب فحص أجهزة كريم وسارة.”
أغمضت مريم عينيها.
وقالت:
“الحقيقة بدأت تظهر.”
وبينما كانت تنظر من نافذة المكتب إلى النيل…
لم تكن تعرف أن الحقيقة التي تنتظرها…
لن تغيّر فقط مصير كريم وسارة.
بل ستكشف سرًا ظل مخفيًا داخل عائلتها لسنوات طويلة. النهاية.ممكن أكملها كرواية، لكن أوضح إن كل اللي سبق قصة خيالية.
—
بعد أسبوع…
استلمت مريم اتصالًا من حسام.
صوته كان مختلفًا.
“تعالي حالًا.”
وصلت إلى مكتبه بعد أقل من نصف ساعة.
كان أمامه ملف جديد.
لكن هذه المرة…
لم يكن عليه اسم كريم.
ولا سارة.
كان مكتوبًا عليه:




