
— أنتِ جنيتي؟ أنتِ بعتيني ومرمغتي كرامتي في الأرض عشان “طارق” و”منى”؟! أنتِ طالق يا هانم! طالق بالثلاثة!
بصيتله ببرود شديد، حطيت إيدي في جيبي وقلت له:
— أنت فاكر إن الكلمة دي هتكسرني؟ أنت متأخر 7 سنين يا سيد. اليمين ده أنا اللي خدته من قلبي من يوم ما بنتك دخلت عليا بتعيط وبتقول لي “هو أنتِ وحشة يا ماما؟”. أنت مأطلقتنيش النهارده.. أنت طلقتني من أول مرة ضحكت فيها على حساب مشاعري قدام الناس.
سيد بدأ يستوعب إن الصدمة مخلتنيش أصرخ ولا أترجاه. العكس.. أنا كنت أهدى من أي وقت فات.
— أنتِ فاكرة إنك هتلقي حد يشيلك بعدي؟ بالبت دي؟ أنتِ ولا حاجة من غيري!
— أنا كل حاجة من غيرك.. والبت دي هتكبر وتشوف أمها بتعلمها إزاي تاخد حقها، مش إزاي تتجوز راجل يكسرها وتفضل ساكتة عشان “الكلام ما يصحش”.
دخلت الأوضة بمنتهى الهدوء، لميت شنطة هدومي وشنطة ليان. مخدتش أجهزة ولا خدت العفش، خدت بس لبسنا والأوراق المهمة.. خدت كرامتي اللي كانت مهدورة على الجدران دي ورسيت على شط أمان.
سيد كان واقف في الصالة، يبصلي وأنا طالعة بالشنط. بدأ صوته يتغير، التهديد اتحول لنبرة ترجي متغلفة بتوتر:
— استني هنا يا بنت الناس.. احنا نصلح الأوضاع، بلاش فضايح في الشارع.. بلاش اللي بتعمليه ده، الناس تقول علينا إيه؟
—
الناس؟ أنت طول عمرك هيموتك رأي الناس، وأنا طول عمري هيقتلني سكوتي. شبع بالناس يا سيد.. وشبع بـ “منى” اللي عمرها ما طايقة تشوف وشك!
نزلت من العمارة. كان طارق مستنيني تحت الشارع في عربيته، أول ما شافني طالع بالشنط، نزل وفتح الشنطة عشان يحط فيها الحاجة. منى كانت قاعدة في الكنبة الوراانية ومداوية ليان في حضنها.
طارق بصل بوقار وقال:
— أنا آسف لو الموقف حطك في زنقة، بس كان لازم يفوق. أنا مش طمعان في حاجة ولا بتدخل في حياتك، بس لو محتاجة أي مساعدة، أنا وأختي موجودين.
— أنت عملت اللي الراجل المفروض يعمله يا طارق.. شكراً إنك خليته يشوف حجمه الحقيقي.
بعد مرور سنة كاملة..
في شقة صغيرة بس دافية ونظيفة في حي هادي..
صوت ضحك ليان كان طالع من البلكونة وهي بتلعب بالصلصال، وشكلها بقى وردي، عينها مش مكسورة، وفستانها جديد ومش مكرمش من الزعل.
فتحت مشروعي الصغير لـ “التفصيل والديكور المنزلي” اللي كنت باحلم بيه من زمان وكان سيد دايماً بيحبطني ويقولي “أنتِ بتعرفي تعملي حاجة أصلاً؟”. المشروع كبر وبقى يدخلي دخل محترم مكفيني أنا وبنتي وزيادة.
سيد حاول يرجعني بكل الطرق. جاب قرايبه، وجاب أصحابه، وحتى حاول يجي شغلي ويعتذر ويقول إنه “كان بيهزر ومكنش يقصد وبيموت من غيرنا”. بس القرار كان أسرع
من إنه يتغير. القضية خلصت، ونفقة ليان باخدها بالقانون من غير ما أترجاه في جنيه.
منى لسه صاحبتي القريبة، وأختي اللي بجد. وعلاقتنا بقت أقوى من الأول بكتير بعد ما الشيطان اللي كان ما بينا غار من حياتنا.
أما طارق؟ طارق بيجي يزورنا كل فترة مع أخته.. راجل محترم، مش مستعجل، وبيحترم وحدتي وتجربتي. مفيش بينّا غير كل احترام وتقدير، ولو الأيام كتبت لنا نصيب سوا، هيبقى على أساس متين من المودة والشهامة.. مش مجرد نكاية في حد.
في يوم، كنت قاعدة مع ليان وبنراجع دروسها. بصلتلي فجأة وقالت لي:
— ماما.. هو بابا كان بيحبنا بجد؟
مسكت إيدها الصغيرة وبستها، وقلت لها:
— بابا كان بيحب نفسه بس يا ليان.. بس أهم حاجة دلوقتي، إنك عارفة إن مفيش ست في الدنيا وحشة، وإنك أجمل وأقوى بنت في الدنيا عشان أمك بتحبك وبتحترم نفسها.
حضنتني بقوة وقالت:
— أنا لما أكبر، هبقى شبهك يا ماما.. شجاعة وما بخافش!
ابتسمت وغمضت عيني، وحسيت لأول مرة من 8 سنين إن النفس طالع نازل من صدري مرتاح.. مفيش زلط ببلعه، ومفيش ضحكة مزيفة بداري بيها وجعي.
الدرس اللي اتعلمته بدموعي: الست اللي تسكت على الإهانة بحجة “عشان البيت يمشي”، بيتها بيهدم من جوة وهي مش حاسة.. بس الست اللي تقف وتقول “لحد هنا وبس”، هي بس اللي بتقدر تبني بيت
بجد.. مبني على الكرامة والاحترام.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




