روايات وقصص

رجعت البيت من غير ما أقول لحد

بيقولوا إن العيلة أهم حاجة في الدنيا، وإن الإحساس عمره ما يبقى ماء، وإن الأم مهما عملت لازم نسامحها. لكن خلوني أقولكم على حقيقة اتعلمتها بالطريقة الصعبة ساعات أقرب الناس ليك، واللي المفروض يكونوا سندك، بيبقوا أقسى أشخاص ممكن تعيش تحت سقف بيتك، ياكلوا من خيرك، ويكسروا قلب أكتر إنسانة بتحبها.

ولو فضلت طيبتك بتغذي الناس اللي بتستغلك، في يوم من الأيام هتلاقيهم بيستغلوك من غير أي رحمة!

أنا اسمي أحمد، عندي 32 سنة. زي شباب كتير سابوا بلدهم وراحوا يدوروا على مستقبل أحسن، تعبت وشقيت سنين طويلة في شغل المقاولات في القاهرة، لحد ما قدرت أوصل لمنصب مهندس مشروعات أول.

أكتر حاجة كنت فخور بيها إني قدرت أشتري شقة فخمة من 3 أوض في منطقة راقية في القاهرة. ولما ربنا كرمني وبقيت واقف على رجلي ماديًا، قررت أجيب أمي، الست أم أحمد، تعيش معايا، ومعاها أخويا الأصغر كريم، اللي كان عنده 25 سنة، لكنه عمره ما حب الشغل ولا شال مسؤولية نفسه.

كانوا هيعيشوا معايا أنا ومراتي نهى.

نهى كانت ست طيبة وحنينة، شغالة مدرسة حضانة، ويصعب على أي حد يشوفها وما يحبهاش. كانت يتيمة، وماعندهاش أهل يسندوها أو يقفوا جنبها وقت الشدة. وفي الوقت ده كانت واخدة إجازة أمومة، لسه بتتعافى من ولادة طفلنا الأول.

ولما اقترحت عليها إن أمي وأخويا يعيشوا معانا عشان يساعدوها في البيت ومع البيبي، وافقت من غير تردد، بل بالعكس، اشترت لهم سراير جديدة وجهزت لهم أوضهم، واستقبلتهم بكل حب وكأنهم أهلها اللي اتحرمت منهم طول عمرها.

كنت فاكر نفسي الزوج المثالي والابن البار والأخ الجدع؛ بصرف على أمي، وبساعد أخويا، وبوفر لمراتي وابني كل اللي يحتاجوه.

لكن الحقيقة إني كنت أعمى، وقراري ده كان أغبى غلطة ارتكبتها في حياتي كلها!

بسبب شغلي، كنت مضطر أسافر باستمرار لمواقع المشروعات في محافظات بعيدة. وكل شهر كنت بحوّل لأمي مبلغ 25 ألف جنيه، وأوصيها بوضوح إن الفلوس دي لمصاريف البيت والفواتير، وإنها تهتم بأكل نهى وتوفر لها أكل صحي ومغذي عشان تسترد صحتها بعد الولادة.

وكنت كل ما أكلمهم فيديو، أمي توريني البيت وهو نضيف ومرتب، وتبتسم لي تقول إن كل حاجة تمام، وإن نهى مرتاحة وإنها بتساعدها في رعاية البيبي.

أما نهى، فكانت بتظهر في الخلفية ساكتة، وتهز راسها بابتسامة باهتة.

كنت بعيش في وهم كبير، مصدق إن بيتي مليان حب وراحة، من غير ما أعرف إن إيدي أنا اللي دخلت مراتي العذاب برجليها!

وفي نص شهر أكتوبر، حصلت مشكلة في المشروع اللي كنت شغال عليه في المنصورة، بسبب نقص الخامات، واضطروا يوقفوا الشغل مؤقتًا.

وفي نفس الوقت، رحلتي للعودة اتلغت بسبب سوء الأحوال الجوية، فاستأجرت عربية وقررت أرجع القاهرة بنفسي، وسقت طول الليل لحد ما وصلت أخيرًا.

كانت الساعة حوالي 12 الضهر لما وصلت العمارة اللي ساكن فيها.

ما اتصلتش بحد، ولا قلت لهم إني راجع؛ كنت عايز أفاجئهم وأشوف فرحتهم برجوعي.

طلعت لشقتي، وحطيت المفتاح في الباب بهدوء، وفتحته واحدة واحدة عشان ما يسمعنيش حد.

أول ما دخلت، ضربت وشي نسمة هوا ساقعة من التكييف، وريحة المأكولات البحرية واللحمة المشوية مالية المكان.

لكن المنظر اللي شفته بعدها خلّى الإحساس يتجمد في عروقي!

بصيت ناحية الصالة، لقيت أمي وأخويا قاعدين على الكنبة الجلد الغالية اللي كنت دافع فيها مبلغ كبير.

كريم كان قاعد من غير قميص، وحاطط رجليه على الترابيزة الزجاج، بيلعب فيديو جيمز وبيشرب مشروب مستورد.

وأمي كانت بتضحك بصوت عالي وهي بتتفرج على التلفزيون، وقدامها طبق مليان جمبري متبل وقطع لحمة مشوية.

كانوا عايشين كأنهم ملوك في فندق خمس نجوم!

لكن لما لفيت وشي ناحية ركن المطبخ، حسيت إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغي.

نهى!

مراتي اللي أمي أقسمت لي في التليفون إنها اتعرضت لوقعة بسيطة، وإنها مجرد التواء خفيف في رجلها!

نهى كانت رجلها اليمين متجبسة بالكامل، بجبس أبيض سميك وخشن، وعليه بقع سائل أصفر وآثار جرح ناشف.

ماكانش معاها عكاز، ولا حتى كرسي تقدر تستند عليه.

كانت راكعة على أرض المطبخ الباردة والمليانة دهون، وبتزحف على الأرض سنتيمتر ورا التاني، مستندة على إيد واحدة، بينما الإيد التانية شايلة طبق شوربة سخنة جدًا.

وشها كان شاحب، والعرق البارد مغرق جبينها، وشفايفها متشققة من كتر ما كانت بتعض عليها عشان تمنع نفسها من الصرخ من شدة الألم.

وفجأة، شوية من الشوربة السخنة اتكبوا على إيدها وحرّقوها.

اتوقعت إنها هتصرخ أو ترمي الطبق من إيديها، لكنها ما عملتش أي حاجة من دي.

ضغطت على سنانها، وفضلت تزحف وهي بتحاول توصل الأكل للاتنين اللي قاعدين في الصالة مستنيينها تخدم عليهم!

حسيت وقتها كأن حد انتزع قلبي من صدري.

كنت واقف مكاني، مش قادر أستوعب إن دي مراتي، أم ابني، الست اللي وثقت فيا ووافقت أجيب أهلي يعيشوا معاها، بتتأذى بالشكل ده في بيتي أنا!

وفجأة، أمي بصتلها باحتقار، وصرخت فيها بصوت عالي

إيه يا بت، خلصي بقى! إنتِ بطيئة كده ليه؟ أنا جعانة والأكل هيبرد!

أما كريم، ففضل قاعد مكانه، ولا كأن فيه أي حاجة غلط بتحصل قدامه.

في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة جوايا ماتت.

كنت ممكن أزعق، وأكسر الدنيا، وأواجههم واحد واحد، لكني قررت أعمل حاجة تانية خالص.

طلعت موبايلي بهدوء، وفتحت تطبيق البنك، وبدأت ألغي البطاقات اللي كنت محول عليها كل شهر الفلوس اللي بيصرفوا منها، واللي كانت قيمتها حوالي ألف دولار شهريًا.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى