
“قدامك خمس دقائق وتختفي من هنا قبل ما يصحى!”
النصيحة جاتها من رجل ملامحه حادة، لابس بدلة سودا مظبوطة بالملي، وإيده مستخبية جوة الجاكيت. بس نورا بينيت مادتش للتحذير أي اهتمام، وفضلت تغسل إيدها بهدوء.
وراها على طول، كانت في ممرضة تانية بتلم شاشها وأدواتها بسرعة ورعب، لدرجة إن نص الحاجات وقعت منها على الأرض الرخام. الرجل قال بجدية:
— أنا مش بهزر! آخر ممرضة قعدت 9 ساعات بس، واللي قبلها هربت بعد 6 ساعات! ده حذف لمبة من الشباك على الممرضة اللي فاتت لمجرد إنها لمست كتفه!
الممرضة اللي بتلم حاجتها بصت لـ نورا بنظرة شفقة، ودمدمت:
— سيبك منه..
وعينيها اتحركت بسرعة.
نورا عندها 36 سنة، طولها متوسط، ومالهاش أي علاقة بستات المجلات الرقيقة. سمعت الكلام ده ميت مرة قبل كده: أكبر من المقاسات المظبوطة، بطيئة، ومش بتاعة طوارئ. وشها حلو، بس خسارة في بقية جسمها. زمان، ضيعت 10 سنين من عمرها وهي فاكرة إنها لو خست، أو وطّت صوتها، أو ابتسمت في الوقت المناسب، الناس هتبطل تحكم عليها. لحد ما الحياة علمتها إن التفاصيل دي أتفه حاجة في الدنيا.
نشفت نورا إيدها بهدوء وسألته:
— حرارته كام؟
الرجل رد بحدة:
— إيه؟
— حرارة جابرييل موريتي كام؟
— 39.9.
— من إمتى وهي فوق الـ 39؟
— من الضهر.
— وما حدش نقله المستشفى ليه؟
الرجل ضحك ضحكة جافة:
— إنتِ عارفة بتتكلمي عن مين؟
— عارفة إنه مريض وسخن!
— ده جابرييل موريتي!
— يبقى جابرييل موريتي مريض وسخن!
هنا بس الرجل بدأ يبصلها بنظرة مختلفة. اسمه لوكا فيرارو.. نورا قرأت ده في ملف الوكالة. رئيس حرس. عنده 41 سنة، ومالوش أي علاقة بالطب، والنقطة الأخيرة دي هي اللي تهم نورا. لوكا وطّى صوته وقال:
— مش هيرضى يروح مستشفى.
— يبقى يعالج هنا!
وراهم، كانت القاهرة بتبرق من الشباك الممتد للسقف من الدور الـ 58، زي ألماس متكسر في الضلمة. أوضة نوم جابرييل كانت واخدة نص دور البنتهاوس.. حيطان خشب أبنوس، أرضيات رخام، ومدفأة فخمة. وفي وسط المكان، كان في راجل عنده 39 سنة، غرقان في عرقه وبيتكتك تحت الغطا.
من تلات أسابيع، تعرض لحادثة إطلاق نار برة مطعم. الرصاصة دخلت من كتفه الشمال وخرجت من غير ما تلمس العظم. وحسب التقرير اللي نورا قريته، كان المفروض يتحسن بعد أيام، بس اللي حصل إن رجليه ضعفت، وبعدين وقفت خالص، وجاتله السخونية ونوبات الغضب. أربع ممرضات استقالوا، والخامسة كانت بتجري حاليًا ناحية الأسانسير.
الأسانسير اتفتح، فبصت لنورا وقالت:
— إنتِ مجنونة!
نورا كانت بتراجع المحلول:
— يمكن!
الأسانسير بلع الممرضة، والهدوء رجع للمكان.
لوكا نفخ بضيق:
— أنا عرضت عليها ضعف المرتب!
— طب اضربلي أنا المرتب في تلاتة!
— إنتِ لسة متخطيتيش أول ساعة!
— يبقى توفر فلوسك!
فجأة طلع صوت من السرير.. زئير. نورا لفت بصتله.. جابرييل موريتي صحي.
راجل عريض وشديد، أكتاف عريضة، دراعات ثقيلة، وشعر أسود لابد من العرق. بس وشّه كان رمادي والشحوب يملأ ملامحه. حدقة عينه واسعة جدًا، ونَفَسه طالع بالعافية، ولما عينيه جت في عين نورا، كان فيها رعب وتعب شديد. إيده انطلقت فجأة، وطبقت على معصمها بصرامة.
لوكا مد إيده بسرعة جوة جاكيت البدلة. نورا صرخت فيه:
— إياك!
قبضة جابرييل ضغطت بقوة، وألم شديد ضرب في دراع نورا. جابرييل حشرج بصوت مبحوح:
— مين اللي بعتك؟
— الوكالة.
— مين؟! أقول مين؟!
— وكالة ميدويست للرعاية الخاصة!
— إنتِ كدابة!
— يا سيد موريتي إنت بتخرف!
صوابعه انغرست أكتر، وقال:
— ريحتك مطهر!
— أنا ممرضة!
لنص ثانية، الدوخة والحمى خلوه يتلخبط. سألها مرة تانية عن اللي بعتها، فنورا قربت منه وقالت بثقة:
— اسمعني كويس.. نبضك طالع لـ 140، غرقان في عرقك، ونَفَسك بيضيع، وحرارتك عالية جدًا! تقدر تكسر إيدي لو ده هيريحك، أو تسيب إيدي وتديني 10 دقايق أفهم إنت بتعاني من إيه!
في حاجة اتغيرت جوة عينيه.. الفضول قدر يغلب السخونية. صوابعه رخت، ونورا سحبت إيدها فورًا، وكانت في علامات حمرا مطبوعة على جلدها.
نورا قاست نسبة الأكسجين ونبضه.. 86%، واطي جدًا. ظبطت ماسك الأكسجين، وجابرييل اتنهد بألم:
— ضهري!
— فين بالظبط؟
سِنّ على سنانه وقال:
— تحت خالص!
لوكا كشر:
— ده بيشتكي من ضهره من ساعتها في العيادة!
— عيادة إيه؟
— المركز الطبي الخاص اللي شالوا فيه آثار الإصابة.
نورا وقفت بالراحة وسألت:
— التقرير بيقول إن الإصابة كانت سطحية!
لوكا تردد:
— كانت في شظية فضلت جوة ونضفوها.
— ومين اللي نضفها؟
— الدكتور أدريان فيل.
ابن عم جابرييل الصغير “فينسنت” هو اللي نسّق العملية دي.. المعلومة دي كانت في الملف برضه. نورا نزلت الغطا تحت وسطه بسرعة:
— اقلبه على جنبه!
لوكا رجع خطوة لورا:
— لا.. مستحيل! لو فاق ومسكني ممكن يؤذيني!
نورا بصت لـ لوكا بنظرة قاطعة، مسكت هي دراع جابرييل الضخم وبدأت تسحبه بجسمها كله. وبصوت صلب قالت:
— لو فضلت واقف مكانك، الراجل ده مش هيعيش للصبح.. هاتها معايا يا لوكا!
لوكا قرب بسرعة، ومسك جابرييل من أكتافه، وبصعوبة قلبوا جسمه على جنبه. جابرييل أطلق صرخة مكتومة في المخدة، لكن نورا ما تراجعتش. نزلت البنطلون الرياضي شوية من عند أسفل الضهر، وعينيها اتسعت.
مكانش في مجرد جرح عادي؛ فوق العمود الفقري مباشرة، كان في نُدبة غريبة مشقوقة بطريقة عشوائية ومخيطة بغرز واسعة، وحواليها الجلد أحمر شديد السخونة ومتورم بطريقة غريبة. نورا قربت إيدها بالقفاز الطبي وضغطت بشويش حولين الندبة. جابرييل انتفض من الوجع.
تحت صوابع نورا، تحت الجلد الملتهب.. كان في جسم صلب وغريب.. جسم مستطيل صغير حافته حادة ومحطوط بين الفقرات العصبية!
— ده مش جرح عادي يا لوكا..




