
كنا أربعة على السفرة: أنا، وأحمد جوزي، وأخته حنين، وسارة بنت عمه اللي رجعت من السفر من أسبوعين بس بعد ما فسخت خطوبتها. من يوم ما سارة دخلت البيت، وهي واخدة مساحة مش بتاعتها. بس اللي حصل النهاردة على العشاء تجاوز كل الحدود.
أنا بقالي أسبوع بتعب في عزومة العيلة دي. عملت البط بالبرتقال والرقاق، وصنف الحادق اللي أحمد بيموت فيه. سارة قعدت على السفرة، وبنبرة صوت طفولية وناعمة، بصت لأحمد وقالت: «أحمد… أنت فاكر لما كنا صغيرين في بيت تيتة، كنت أنت الوحيد اللي بتعرف تطلعلي النخاع من العضم من غير ما العضمة تتكسر؟ أنا إيديا بتوجعني النهاردة ومش عارفة أتعامل…»
قبل ما أستوعب الكلام، لقيت أحمد بيبتسم ابتسامة دافية عمره ما ابتسملي زيها لما بكون تعبانة، وأخد الطبق منها. بمهارة ودقة شديدة، بدأ يقطعلها النبط والأكل، ويفصصلها اللحم ويحطه في بقها مباشرة بالشوكة وهي بتبتص له بعيون مكسورة ومتصنعة الخجل. حنين أخته كانت قاعدة بتبصلي بابتسامة خبيثة، وراحت مالية كوبايتها ومعدية عينيها عليا كأني مجرد كرسي زيادة على السفرة.
أحمد مال على سارة وقال بصوت هادي بس مسموع: «كلي يا سارورة، أنتِ خاسّة خالص الفترة دي، وأنا مش هسمح لشيء يهدّك تاني.» في اللحظة دي، حطيت المعلقة بالراحة على الطبق. الصوت كان عالي في الهدوء اللي ساد. بصيت لأحمد وقُلت بنبرة هادية بس ثابته زي السكينة: «ما شاء الله يا أحمد… حنية جارفة! بس مش غريبة إنك نسيّت إن الطبق اللي قدامك ده أنا بقالي أربع ساعات واقفة في المطبخ بأعمله، وحضرتك حتى ما قلتليش تسلم إيدك؟»
أحمد إيده اتجمدت في الهواء بالشوكة، وسارة سحبت ضهرها لورا بسرعة، وحنين ضحكت ضحكة مستفزة وقالت: «مالك يا ندى؟ كبرتي الموضوع ليه؟ سارة زي أخته، وبعدين دي نَفْسيتها تعبانة من اللي حصل معاها، كبر عقلك!» أحمد بصلي بغضب مكتوم وقال: «ندى… اتكلمي بأسلوب أحسن من كده، سارة ضيفتنا، ومافيش داعي للغيرة الفارغة دي قدام الناس.»
رديت ببرود مرعب: «الغيرة بتكون لما أغير من ست… مش من تمثيلية رخيصة.» قمت من على السفرة ودخلت أوضة النوم. حطيت إيدي على قلبي اللي كان بيدق بسرعة. بس الموقف ده ما كانش مجرد حادثة عابرة. دي كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. افتكرت كل المرات اللي أحمد كان بيختفي فيها. افتكرت لما قال لي من شهر إنه مسافر طنطا لمهمة شغل ضرورية لمدة يومين، وفي نفس اليومين دول، سارة كانت منزلة صور في شاليه في الساحل، وفي الخلفية كان فيه ساعة يد رجالي ذهب… نفس الساعة اللي أنا جيباهاله في عيد ميلاده!
فتحت الدولاب، وطلعت الشنطة الصغيرة اللي أحمد دايماً قافلها بمفتاح وشايلها في قعر الدولاب. المفتاح كان في ميداليته اللي نسيها على الكومودينو وهو داخل ياكل. فتحت الشنطة… وإيدي بدأت ترتجف. ما كانش فيها أوراق شغل زي ما كان بيفهمني. كان فيه دفتر ذكريات قديم، وورقة زواج عرفي قديمة بينه وبين سارة متأرخة من أربع سنين (قبل ما نتجوز بسنة)، ومكتوب تحتها بخط إيدها: «مهما افترقنا، هنفضل لبعض.»
والأدهى من كده… لقيت إيصالات تحويل مبالغ مالية كبيرة شهرياً للحساب الشخصي لسارة، المبالغ دي هي نفس الفلوس اللي كان بيفهمني إن الشركة بتخصمها من مرتبه عشان الأزمة الاقتصادية!
سمعت خطوات رجله وهي بتقرب من الباب. قفلت الشنطة بسرعة ورجعت المفتاح مكانه، وقعدت على السرير وبصيت للباب. وقفت وقربت منه، وبصيت في عينيه بثبات غريب، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقُلتله: «حقك عليا يا أحمد… أنا فعلاً كنت غلطانة. المفروض ما كنتش أعمل كده قدامهم.»
أحمد اتفاجئ من رد فعلي، ونبرة صوته هديت شوية وقال بشك: «كويس إنك عرفتي غلطك…» رديت بصوت واطي وناعم: «أنا عرفت غلطي كويس أوي يا أحمد، وعرفت كمان إن العزومة دي كانت آخر عزومة هطبخها في البيت ده.»
أخدت شنطة إيدي ومفاتيح عربيتي، ومشيّت خطوتين ناحية الباب، وبعدين التفتت له وقُلت: «صحيح… الشنطة السامسونايت اللي في قعر الدولاب؟ مفتاحها كان واقع جنب السرير… تحب أرجع أقفلهالك، ولا أسيبها مفتوحة عشان لما سارة تطلع فوق تفرجها على ذكرياتكم؟»
وش أحمد اتحول للون الأبيض زي الملاية، والدم هرب من عروقه. وقف مكانه مش عارف ينطق حرف، وصوته اتخنق وهو بيحاول يستوعب أنا شفت إيه. خرجت وسبت الباب مفتوح على وسعه… نزلت على السلم وأنا سامعة صوت خطواته الجارية ورايا. كان بينادي بصوت مكتوم ومشحون بالخوف: «ندى! استني يا ندى أفهمك… الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة!»
ما التفتّش ورايا. ركبت عربيتي، قفلت الأبواب بالسنترك، ودورت الموتور. هو كان واقف بيخبط على الأزاز، وشّه مشوه بالهلع، اللحظة اللي الراجل فيها بيكتشف إن كل خططه السحرية واتزانه المزيف انهاروا في ثانية. مشيت. بس مابكيتهاش، ولا روحت بيت أهلي أعطس وأشتكي. أنا روحت المكان الوحيد اللي أحمد عمره ما يتوقعه… روحت لمكتب المحامي الخاص بوالده الله يرحمه، الأستاذ فاروق، الراجل اللي بيعتبرني زي بنته، والوحيد اللي عارف كل كواليس ثروة العيلة والعقود المسجلة.
سهرت مع الأستاذ فاروق للصبح. ورّيته صور العقود، وإيصالات التحويلات، وورقة الجواز العرفي اللي كنت مصوراها بفركة عين على موبايلي قبل ما أقفل الشنطة. الأستاذ فاروق عدّل نظارته، وبصلي بنظرة إعجاب حذرة وقال: «أحمد اتورط يا ندى… القانون في صفك، بس الكيد اللي هتعمليه هو اللي هيرجّعلك حقك تالت ومتلت.»
الخطة كانت شيطانية بجد. بعد يومين، تظاهرت إني هادية تماماً. رجعت البيت، لقيت أحمد قاعد زي المجنون، الهالات السودة تحت عينيه، ومجهز مية مبرر ومبرر. أول ما شافني، قام وقف بسرعة: «ندى… أنا مستعد أشرحلك كل…»




