
بنت صغيرة دخلت محل مجوهرات مستعملة ورهن، وحطّت في إيدي ورقة خمسين جنيه مكرمشة وشويه فكه ، وقالتلي
ممكن تساعدني أرجّع إسورة ماما؟
بصيت للفلوس اللي في إيدي، وبعدين بصيت للبنت.
كانت ماسكة الورقة كأنها أغلى حاجة في الدنيا كلها.
وقالتلي بصوت واطي
لو سمحت يا أستاذ… دي كل الفلوس اللي قدرت أوفّرها.
أنا أحمد رشدي.
راجل أعمال من أكبر رجال الأعمال في مصر، والفلوس بالنسبالي عمرها ما كانت مشكلة.
لو حاجة عايزها… بجيبها.
ولو صفقة عايز أعملها… الفلوس عمرها ما وقفت قصادي.
لكن البنت الصغيرة دي دخلت محل الرهن اللي بتعامل معاه في وسط البلد، ووقفت قدامي بالطريقة دي، خلتني لأول مرة مش عارف أقول إيه.
مديت إيدي عشان أرجعلها الفلوس وقلتلها
يا بنتي، إنتِ شكلك غلطانة في الشخص.
هزّت راسها وقالت بثقة
لأ يا أستاذ… أنا مش غلطانة.
وبعدين أشارت للفاترينة اللي ورا صاحب المحل.
وسط السلاسل القديمة والخواتم والساعات المستعملة، كانت فيه إسورة دهب رفيعة شكلها بسيط جدًا.
البنت بصت عليها وقالت
هي دي… إسورة ماما.
صاحب المحل، عم رجب، بصلي وقال
البنت دي بقالها كام أسبوع بتيجي هنا يا أستاذ أحمد. كل مرة تجمع اللي معاها وتحاول تشتري الإسورة.
البنت فتحت كيس قماش صغير كانت مخبياه في جيبها.
طلعت منه شوية عملات معدنية وفلوس متنية ومكرمشة، وحطتهم كلهم قدام عم رجب.
وقالت وهي مبتسمة بفخر
أنا عديتهم بنفسي… كلهم على بعض ٨٧ جنيه و٢٣ قرش.
عم رجب اتنهد وقالها
يا ليلى، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده. الإسورة دى رهنها ٨٠٠ جنيه اللى مامتك اخدتهم منى .
الابتسامة اختفت من على وشها.
كتافها نزلت.
لكنها ماعيطتش.
مازعقتش.
ماطلبتش منه حاجة.
بس بدأت تلم فلوسها واحدة واحدة.
المشهد ده وجعني بشكل غريب.
لأني شفت الإحباط ده قبل كده…
شوفته في عيون ناس خسرت صفقات بالملايين.
وشوفته في رجال أعمال لما شركاتهم وقعت.
لكن عمري ما شفت الإحساس ده في طفلة صغيرة عشان إسورة دهب.
قلتلها
استني يا ليلى.
رفعت وشها وبصتلي.
سألتها
إيه اللي حصل لمامتك؟
إيدها شدت على العملة اللي كانت ماسكاها.
وسكتت شوية، وبعدين قالت
ماما كانت محتاجة فلوس أوي لما الدنيا ضاقت بينا… فباعت الإسورة.
طريقتها وهي بتقول الدنيا ضاقت خلتني ماكملتش أسئلة.
بصيت للإسورة.
وبعدين سألتها
وإنتِ بقالك فترة بتوفري فلوس عشان ترجعيها؟
هزّت راسها.
آه.
وبعدين قالت
ماما فاكرة إن الإسورة راحت ومش هترجع تاني.
فضلت باصصلها شوية.
وقلت
طب إنتِ اسمك إيه؟
قالت
ليلى.
وليه جيتيلي أنا؟
ردت من غير تفكير
عشان شكلك شكل واحد يقدر يساعد.
كان ممكن أضحك…
لكن وشها كان جاد جدًا.
هي ماكانتْش بتجاملني.
ولا كانت بتستعطفني.
ولا حتى كانت عارفة أنا مين أصلًا.
هي بس شافت راجل واقف قدامها وقالت لنفسها إنه ممكن يساعدها.
وأنا طول عمري الناس بتطلب مني حاجات.
رجالة أعمال عايزين ملايين.
ناس عايزة شراكات.
جمعيات عايزة تبرعات.
وقرايبي عايزين خدمات.
كل واحد بيحاول ياخد حاجة مني.
فعشان كده سألتها السؤال اللي طول عمري بسأله في أي صفقة
بصي يا ليلى… لو أنا ساعدتك ورجعتلك إسورة مامتك، إنتِ هتديني إيه في المقابل؟
عم رجب بصلي باستغراب.
وليلى سكتت.
سكتت بشكل غريب.
وبعدين مدت إيدها في كيس القماش تاني.
أنا افتكرت إنها هتطلع فلوس.
لكنها طلعت ورقة صغيرة مطوية بعناية.
وحطتها في إيدي.
بصيت للورقة…
وبعدين فتحتها.
أول ما عيني وقعت على أول سطر مكتوب فيها…
اتجمدت مكاني.
نفسي اتخنق.
لأن اللي كان مكتوب في الورقة…
ماكانش كلام طفلة.
ولا حتى طلب مساعدة.
دي كانت رسالة…
ورسالة بالذات كان فيها سر عن أمها، وعن الإسورة اللي أنا كنت فاكرها مجرد قطعة دهب قديمة.
وساعتها فهمت إن ليلى ماجتش المحل عشان تشتري إسورة وبس…
دي كانت جاية عشان تكشف سر محدش كان يعرفه
الفصل الأول الورقة اللي غيّرت كل حاجة
فضلت واقف مكاني وأنا ماسك الورقة.
عم رجب كان بيبصلي من ورا الفاترينة، وليلى واقفة قدامي، إيديها متشابكة قدام بطنها، وعينيها متعلقة بوشي كأنها مستنية مني إجابة.
فتحت الورقة أكتر.
كان مكتوب بخط ستات واضح، لكنه مهزوز شوية
لو الإسورة دي رجعت لبنتي يومًا، أو لو حد لقاها بعد ما أنا مشيت، أوعى تسأل ليلى عن الفلوس. اسألها عن أبوها.
فضلت باصص للجملة دي كذا ثانية.
وبعدين كملت.
الإسورة دي مش مجرد دهب. جواها الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها من سنين.
رفعت عيني ناحية ليلى.
مين كتب الورقة دي؟
البنت بلعت ريقها.
ماما.
حسيت بحاجة غريبة جوايا.
إمتى؟
قبل ما تدخل المستشفى.
اتنفضت إيدي.
مامتك في المستشفى؟
هزت راسها.
آه.
مالها؟
سكتت.
بصيت لعم رجب.
عم رجب تنهد وقال
أنا مش عارف غير اللي البنت قالتلي. أمها اسمها نادية. بقالها كام شهر تعبانة، ومش بتشتغل، والفلوس خلصت معاها. من حوالي شهرين جت هنا ورهنت الإسورة.
رجعت أبص لليلى.
ومين أبوكي؟
وشها اتغير.
لأول مرة من ساعة ما دخلت المحل، الخوف بان في عينيها.
ماما قالتلي ماقولش اسمه لحد.
ليه؟
قالتلي لو حد سألني عليه… أقول معرفوش.
سكت.
بصيت للورقة مرة تانية.
اسألها عن أبوها.
الجملة دي ماكانتْش عادية.
خصوصًا إن أمها نفسها قالت لها ما تقولش اسمه.
مديت الورقة لليلى.
مامتك قالتلك تسلمي الورقة دي لمين؟
لأ.
أمال؟




