
وصلت الشارع بتاعنا والدموع كانت مغمية عيني، مكنتش شايف قدامي والدركسيون كان بيلف في إيدي وكأني سايق في وسط ضباب. ركنت العربية أي كلام، نزلت ورزعت الباب ورايا ومشيت بخطوات سريعة ومرعوبة ناحية بيتنا القديم. الشارع كان هادي، والناس مستخبية في بيوتها من المطر، ومحدش حس بيا وأنا بفتح الباب الحديد البراني وبدخل الحوش. بصيت على السور اللي بنوه زمان، السور الطوب الأحمر اللي سدوا بيه الهوا وبتروا بيه صلة الدم، وحسيت فجأة إن كل قالب طوب فيه كان كذبة كبيرة اتبنت فوق صدري.
دخلت شقة أبويا وأمي اللي مهجورة من يوم ما ماتوا ورا بعض من كام سنة. الريحة كانت تراب وذكريات قديمة مخنوقة. مشيت في الصالة، الهوا كان ساقع، وصور أبويا وأمي المتعلقة على الحيطة كانت بتبصلي بنظرات حسيت لأول مرة إنها مش نظرات حنان، دي كانت نظرات خوف، نظرات ناس هربانة طول عمرها من حقيقة ورا السور.
رحت على الأوضة الكبيرة، أوضة نوم أبويا. سحبت الكرسي الخشب وحطيته قدام الدولاب، وطلعت فوقه وبدأت أمد إيدي في السندرة المظلمة. كفوفي كانت بتتلمس العتمة والتراب، العنكبوت لزق في صوابعي، وقلبي كان بيدق زي طبول الحرب. وفجأة، صوابعي خبطت في حاجة حديد، تقيلة ومصصية. سحبتها براحة وأنا بنهج، ونزلت.
كان صندوق حديد قديم من بتوع زمان، صدى الأيام واكل جوانبه، ومقفول بقفل نحاسي صغير بس كان مصدي ومكسور، وكأن جدي سابه مكسور عشان يسهل عليا اللحظة دي. وعلى وش الصندوق، كان مكتوب ببوية بيضا ناشفة خطت بإيد عم مرسي—أو جدي مرسي—كلمة واحدة: (الحق).
قعدت على الأرض، وربعت رجلي، والظرف الأصفر اللي فيه الرسالة كان جمبي. سحبت نفس طويل، وفتحت غطا الصندوق. أول حاجة قابلتني كانت ريحة ورق قديم معفن، ريحة سنين طويلة اتقفل عليها عشان تموت، بس واضحة وصاحية. جوه الصندوق كان فيه دفتر سميك بجلدة سودا، ومجموعة من قسايم الزواج والطلاق القديمة، وبطاقات شخصية ورق من بتاعة زمان، وجرنان أصفر مهري من سنة 1982.
سحبت الجرنان الأول، وعيني وقعت على مانشيت أحمر في الصفحة الداخلية بيقول: “هروب المتهم الرئيسي في قضية اختلاس شركة المطاحن الكبرى.. والبوليس يكثف البحث عن عبد الرحمن عبد الجليل”.
عبد الرحمن عبد الجليل؟ ده الاسم الحقيقي لجدي، مرسي عبد الجليل! قريت التفاصيل بسرعة، السطور كانت بتقول إن عبد الرحمن عبد الجليل كان المحاسب الأول للشركة، وإن فيه ملايين اتسرقت، والاتهام لبسه بالكامل، والراجل اختفى وراها ومحدش عرف له طريق.
شيلت الجرنان ومسكت البطاقات الشخصية القديمة. لقيت بطاقة ورقية باسم أبويا الحقيقي: “رضا عبد الرحمن عبد الجليل”، ومكتوب في خانة الأب: عبد الرحمن عبد الجليل. وجنبها بطاقة تانية من غير نسر، شكلها متزور ومكتوب فيها: “رضا عبد الكريم الرفاعي”.. وبعدها بطاقة تالتة كمبيوتر وهي اللي أنا وعيت عليها طول عمري: “رضا عبد الرحمن رجب”! أبويا غير اسمه تلات مرات! غير اسم العيلة بالكامل عشان يهرب من اسم أبوه!
فتحت الدفتر الأسود، وبدأت أقرا خط جدي اللي كان مكتوب فيه كل حاجة بالتفاصيل، مذكرات كاتبها الراجل العجوز وهو قاعد ورا السور، بيموت في اليوم ميت مرة وهو شايف ابنه وحفيده قدام عينه ومش قادر ينطق.
مذكرات جدي مرسي (عبد الرحمن عبد الجليل)
“ابني رضا.. لو كنت بتقرا الكلام ده وأنا عايش، هكون أكيد ببكي تحت رجليك عشان تسامحني. ولو كنت بتقراه بعد ما نمت في تربتي، فاعرف إن كل دقة قلب في صدري كانت عشانك وعشان ابنك حسن.
يا حسن يا ابني.. أبوك رضا مكنش ظالم، أبوك كان مظلوم، بس الخوف عماه وعمى قلبه. زمان، في أواخر السبعينات، أنا كنت محاسب بسيط في شركة المطاحن. كنت بياخد قرشين حلال بربي بيهم رضا وأخته الصغيرة أمل. وفي يوم، اكتشفت اختلاسات بمليون جنيه—وقتها المليون ده كان يبني عمارات—الاختلاسات دي كانت لحساب رئيس مجلس الإدارة، راجل واصل وعنده نفوذ يهد جبال. لما واجهته بالورق، هددني بعيالي. قالي: ‘يا عبد الرحمن، الورق ده لو طلع، ابنك رضا هيروح ورا الشمس، وإنت عارف نفوذي’.
أنا خفت.. الخوف كسرني يا حسن. وافقت أسكت، بس هما مغدرواش بيا وبس، دول لبسوني القضية كلها بالورق والمستندات اللي زوروها بإمضتي. وقبل ما البوليس يكبس على بيتنا، جالي واحد من طرف رئيس مجلس الإدارة وقالي: ‘اهرب، لو اتمسكت هتموت في السجن، ولو اتكلمت، ابنك وبنتك هيدفعوا التمن’.
هربت.. سبت بيتي وعيالي واختفيت في محافظات مصر، عشت بأسماء مستعارة، اشتغلت فاعل، وشيال، وبواب، عشان ملمحش عسكري دورية يسألني عن بطاقتي. وأبوك رضا، اللي كان لسه مخلص كلية حقوق، لقى نفسه ابن المتهم الهارب، الناس بقت تبص له بنظرة عار، خطيبته سابته، وأخته أمل تعبت وماتت من القهرة ومن غير ما تلاقي تمن العلاج لأن الحكومة حجزت على كل أملاكي وفلوسي البسيطة في البنك بتهمة إنها فلوس حرام.
رضا أبوك كرهني.. كره اسمي، وكره سيرتي. شاف إن أنا السبب في موت أخته، وفي فضيحته، وفي ضياع مستقبله. وبذكائه وقانونيته، عرف يغير اسم العيلة، زور ورق، وطلع بطاقات جديدة باسم ‘رضا عبد الرحمن رجب’، واختار اسم ‘رجب’ عشان يبعد عن اسم ‘عبد الجليل’ خالص. اختار منطقة عشوائية قديمة في إيتاي البارود الأول، واتجوز أمك وعاش هناك سنين، لحد ما ربنا كرمه واشتغل في المقاولات وبقى معاه قرشين، واشترى البيت اللي في إزباية الهجانة في القاهرة.. البيت اللي لازق فيا.
هو مكانش يعرف إن البيت ده بيتي! أنا كنت اشتريت البيت ده باسم واحد صاحبي زمان قبل القضية، ولما تعبت وعجزت، جيت عشت فيه واستخبيت من الدنيا. وفجأة، في يوم، لقيت الباب اللي جمبي بيتفتح، ولقيت ابني رضا نزل من عربية ومعاه مراته وشايل في إيده طفل صغير.. الطفل ده كان أنت يا حسن!
صرخت من الفرحة، كنت هجري عليه وأخده في حضني، بس أول ما عيني جت في عينه، شفت في عيونه نظرة رعب عمري ما شوفتها في حياتي. رضا افتكر إن أنا جاي وراه عشان أفضحه تاني، أو جاي أطالبه بفلوس، أو إن البوليس لسه بيدور عليا وهيجيب رجله في السكة.


