
وبعدين بصتلي وقالت أنا هحكيلك كل حاجة من الأول، بس قبل ما أحكي، لازم تعرف إن جوازك مني مش هيغير اللي حصل، ومش هيمسح السنين اللي ضاعت من عمري.
قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسس إني داخل كابوس، ومش قادر أصدق إن البنت اللي اتجوزتها من تحت الكوبري ممكن تكون وراها الحكاية الكبيرة دي كلها.
مريم بدأت تحكي وقالت إن أبوها محمود كان شريك أبويا في شركة مقاولات، وكانوا أصحاب من سنين طويلة.
أبوها كان المسؤول عن الحسابات، وأبويا كان بيتولى إدارة المشاريع والتعامل مع العملاء.
في يوم، الشركة دخلت في صفقة كبيرة، وأبويا احتاج مبلغ ضخم عشان يكمل المشروع. أبو مريم وافق يساعده، وحط جزء كبير من فلوسه في الشركة، وكان متفق معاه إن الأرباح تتقسم بينهم بالتساوي.
لكن لما المشروع نجح، أبويا طمع في نصيب شريكه، وبدأ يغير في الحسابات ويخفي مستندات مهمة.
ولما أبو مريم اكتشف اللي بيحصل، هدد إنه هيروح يبلغ عنه.
ساعتها أبويا اتصرف بطريقة ما كنتش أتخيلها؛ لفقت له قضية اختلاس، واستخدم علاقاته عشان يضيع حقه، وفي النهاية اتسجن أبو مريم، وخسر كل ممتلكاته.
أما أم مريم، فكانت وقتها حامل فيها، وبعد ما جوزها دخل السجن، اضطرت تشتغل في بيوت الناس عشان تصرف على بنتها.
لكن المصيبة ما وقفتش عند كده. بعد سنين، أبو مريم خرج من السجن وهو مريض، وحاول يقابل أبويا عشان يرجع حقه، لكن أبويا رفض حتى يستقبله.
وبعدها بأيام، رحل أبو مريم من القهر والمرض، وساب بنته الصغيرة في الدنيا من غير سند.
مريم مسحت دموعها وقالت أنا كبرت وأنا فاكرة إن أبويا مجرم، وإنه سرق فلوس الناس، لحد ما قبل ما يرحل بشهور، أمي حكتلي الحقيقة كلها.
كانت محتفظة بصورة من مستندات قديمة، وعرفت منها إن أبوك هو اللي ظلمه.
بصيت لأبويا وأنا حاسس إني مش قادر أتنفس، وقلت له الكلام ده حقيقي؟!
أبويا فضل ساكت، وبعدها قال أيوه، بس الموضوع مش بالبساطة اللي هي حكيته بيها!
صرخت فيه أمال إيه البساطة؟! راجل دخل السجن ظلم، وبنته عاشت عمرها محرومة من أبوها، وإنت عايش في القصور وبتتكلم عن المستوى الاجتماعي؟!
أبويا حاول يقرب مني، لكني وقفت وقلت خليك مكانك!
أمي كانت بتعيط وبتقول يا ابني، إحنا عملنا كده عشان نحافظ على ثروتك ومستقبلك!
بصيت لها بصدمة وقلت مستقبلي؟! إنتوا ضيعتوا مستقبل بنت غلبانة عشان فلوس؟!
طيب.. طيب ليه أول ما شوفتوها اترعبتوا… عرفتوها إزاي وهيه منتقبة؟!
أمي نزلت عيونها والبنت قالت عرفوني لاني لسه من فترة قريبة جيت لأمك عشان ترجعلي حق أبويا… بس هيه رمتلي العباية اللي أنا لبساها دي وقالتلي ابقي عدي كل شهر هديكي الهدوم اللي مالبساهاش.
كنت هتجنن من كلامها ومصدوم جدا في أمي وأبويا عمري ما تخيلت يكونوا كده.
مريم قامت من مكانها، ولمت حاجتها البسيطة، وقالت أنا مش جاية أطلب منكم فلوس، ولا جاية أعمل مشكلة. أنا كنت بحاول أوصل للحقيقة، ولما الظروف ضاقت بيا، لقيت نفسي تحت الكوبري.
ولما أحمد عرض عليا الجواز، ما كنتش أعرف إنه ابن الراجل اللي ظلم أبويا. عرفت الحقيقة لما دخلت البيت وشفت وش أمك.
اتصدمت من كلامها وقلت يعني إنتي ما كنتيش عارفة أنا مين؟!
هزت راسها وقالت لأ. أنا كنت عارفة اسم الشركة واسم أبوك، ومكان بيتكم لاني جيته قبل كده لكن عمري ما شفتك قبل كده، ولا كنت أعرف إنك ابنه.
أنا وافقت على الجواز لأنك عرضت عليا حياة كريمة، وكنت فاكرة إن ربنا بعتلي فرصة أبدأ من جديد. لكن أول ما جبتني هنا وقولتلي ان ده بيتك فهمت إن القدر رجعني لنفس المكان اللي هربت منه طول عمري.
حسيت بالخجل من نفسي. أنا اللي كنت فاكر إني بعمل حركة أغيظ بيها أهلي، طلعت اتجوزت إنسانة شايلة وجع سنين، وأنا حتى ما سألتهاش عن اسمها!
قربت منها وقلت أنا آسف يا مريم. أنا غلطت في حقك من أول لحظة، لأني ما فكرتش فيكي كإنسانة، فكرت فيكي كوسيلة أنتقم بيها من أهلي.
مريم بصتلي وقالت الاعتذار مش هيغير حاجة يا أحمد. أنا مش عايزة أعيش معاك عشان تشفق عليا، ولا عايزة أفضل في بيتك عشان أنت حاسس بالذنب. واصلا بعد اللي عرفته وانك ابن الناس اللي اتسببوا في ضياع ابويا ومستحيل افضل هنا.
وقبل ما أرد، جرس الباب رن. أبويا اتوتر بشكل غريب، وأمي قامت بسرعة تمسح دموعها.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة وماسك ملف كبير في إيده. أول ما شاف مريم، وقف مكانه وقال الحمد لله إني لحقتك يا بنتي!




