
سمعت خطوات ثقيلة ووقورة تصعد. ظهر رجل في أواخر الستينات، طويل، يرتدي بدلة كحلي أنيقة، وملامحه فيها طيبة ووقار. كانت ملامحه تشبه أبي رحمه الله.
أول ما رآني، أخذ نفسًا طويلًا، وامتلأت عيناه بالدموع، ثم قال بصوت مرتجف: «منال؟ أنتِ منال إبراهيم الشناوي؟ بنت إبراهيم أخويا؟»
تجمد الدم في عروقي. إبراهيم الشناوي هو اسم أبي الثلاثي. قلت بصوت مرتجف: «إبراهيم الشناوي هو أبي رحمه الله، لكنه كان يقول إنه لا قرابة له في القاهرة، وإنه بعيد عن عائلته.»
نزلت دمعة على خده، ثم مد إليّ ظرفًا كبيرًا وقال: «أنا عمك، الحاج فاروق الشناوي. والدك لم يكن مقطوعًا من شجرة، ولم يكن بسيط الحال كما فهمتِ وهو حي.»
شعرت بصدمة شلت لساني.
كمل عمي بصوت فيه ألم وحنين: «أبوك إبراهيم اختلف مع جدي رحمه الله قبل خمسة عشر عامًا بسبب زواجه من أمك، فترك العيلة واختار حياة بسيطة. لكن قبل وفاة جدي منذ سنتين، ترك وصية رسمية وحصر إرث مسجل في الشهر العقاري، فيه أقسام وأسهم وأرض في التجمع ومحلات في وسط البلد باسم بنت إبراهيم، أي باسمك أنتِ يا منال.»
اتسعت عيناي. ثروة ومحلات وأرض؟ ملكي أنا؟
سألته بصوت مرتجف: «وحماتي، الحاجة فوزية، ما علاقتها بالوصية وهذه الأملاك؟»
أخرج عمي إقرارًا رسميًا ووضعه في يدي، ثم قال إن فوزية وأبناءها كانوا يستفيدون من توكيل قديم مرتبط بأحد المحلات عن طريق شركة العائلة. ولما علمت قبل أشهر أن الجهات والمحامين يبحثون عن منال إبراهيم الشناوي، أدركت أن الفتاة التي كانت تتعامل معها كشخص مطلوب منه خدمة العائلة هي نفسها صاحبة الحق في تلك الأملاك.
في هذه اللحظة، سمعت صوت جري وصعود على السلم. كان حسام يصعد بلهفة، ووجهه شاحب، وخلفه أمه فوزية بملابس المناسبة، ثم داليا. بدا عليهم القلق الشديد.
صرخت حماتي أول ما رأت عمي: «فاروق بيه، أرجوك لا تخرّب بيتنا. كنا سنشرح لها كل شيء بعد المناسبة ونرتب مجلس عائلة.»
التفت عمي إليها بنظرة حازمة وقال: «مجلس عائلة؟ يا فوزية، أنتم كنتم تحتجزون أوراق الإرث والتوكيل وتستفيدون من أرباح المحلات من وراء صاحبتها؟ ثم توقفينها عند باب القاعة بعد أن ساعدتكم ثلاثة أيام؟»
وقف حسام في منتصف السلم، وكأنه لم يستوعب ما يسمع. نظر إلى أمه وقال بصوت مرتجف: «يا أمي، أنتِ كنتِ تعرفين أن منال صاحبة هذه الأملاك من شهور؟ وطلبتِ مني أن نخفي عنها ذلك ونتركها تخدمنا وتدفع من مالها؟»
صرخت فيه بثبات: «أنت كنت تعرف يا حسام؟ كنت شريكًا في إخفاء الحقيقة واستغلال طيبتي؟»
سقطت فوزية على ركبتيها على السلم وبدأت تتوسل: «منال يا بنتي، سامحينا. حسام يحبك، وكنا سنصحح كل شيء. لا تفضحينا.»
مسك عمي يدي بثبات وقال بصوت حازم: «المسائل المتعلقة بالتوكيل والأرباح والأوراق تحتاج إلى إجراءات قانونية واضحة. البلاغ تم تقديمه للجهات المختصة، وتم التحفظ على ما يلزم لحين مراجعة الحقوق.»
انهارت داليا على السلم وهي تقول إن المناسبة توقفت بعد أن عرف بعض الحضور بالأمر.
: «الذي تركني وحدي عند باب القاعة ليتجنب مشكلة، ليس من حقي أن أبني عليه بقية حياتي.»
ثم أضفت أن كل ما يتعلق بحقوقي المادية والأدبية سيُعالج من خلال الإجراءات القانونية، وأن العلاقة الزوجية انتهت عند حدود الكرامة.
أخذت شنطتي وأوراقي، ونزلت السلم مرفوعة الرأس بجانب عمي فاروق، وتركتهم يواجهون نتائج اختياراتهم.
خلال الأسابيع التالية، اتخذت الجهات المختصة الإجراءات اللازمة بشأن الأموال والتوكيلات محل المراجعة. اضطر حسام وأمه إلى رد الحقوق وما ترتب عليها من التزامات، وتعرضت العائلة لخسائر مادية واجتماعية بسبب ما فعلوه. أما مناسبة داليا، فقد توقفت وترتب على ذلك نتائج عائلية كثيرة.
أما أنا، فانتقلت إلى حياة جديدة بجانب عمي فاروق وعائلته، وتوليت إدارة شؤوني وأملاكي بشكل رسمي، مرفوعة الرأس.
وتعلمت أن الطيبة لا يجب أن تكون بابًا للاستغلال، وأن الحقوق مهما تأخر ظهورها لا تضيع إذا حافظ صاحبها على كرامته، وتعامل مع الأمور بالطريقة الصحيحة.




