
كنت بالنسبة لها بضاعة.
وصلت عند نهاية الممر. لقيت باب معدن قدامي مكتوب عليه: خدمات — ممنوع الدخول. مديت إيدي على المقبض. مقفول. شدّيته مرة. اتنين. مفيش فايدة.
لفيت للممرضة بخوف: — مقفول!
جريت ناحيتي. طلعت كارت صغير من جيبها، مررته على الجهاز اللي جنب الباب. نور أخضر ظهر. الباب اتفتح.
قالت: — انزلي السلم لحد الدور الأرضي. هتلاقي مخزن غسيل. ادخلي منه، وفي آخره باب تحميل بيطلع على الشارع الخلفي.
مسكت إيدها قبل ما تمشي. — وإنتِ؟
بصت وراها. الأصوات كانت بتقرب. قالت: — أنا هرجع.
— ترجعي فين؟!
— لو اختفينا إحنا الاتنين دلوقتي، هيعرفوا إني ساعدتك.
— ما ترجعيش! تعالي معايا!
لأول مرة، شفت في عينيها حاجة أغرب من الخوف. حزن. قالت: — مقدرش.
— ليه؟
سكتت. وبعدين قالت: — لأن ابني جوه.
بصيتلها وأنا مش فاهمة. لكن قبل ما أسأل، صوت خطوات جري ظهر من آخر الممر. زقتني ناحية السلم.
— انزلي!
دخلت وأقفلت الباب ورايا. بدأت أجري على السلالم. دور. واتنين. وتلاتة. وكل ما أنزل، كنت بسمع أصوات فوقيا. رجالة بيتكلموا في أجهزة لاسلكي.
— فتشوا جناح العمليات.
— راجعوا المصاعد.
— محدش يخرج من بوابة الموظفين.
وبعدين سمعت صوت جوزي. قريب. قريب جدًا.
— دوروا عليها في كل مكان. لابسة زي عمال النظافة.
حطيت إيدي على بوقي علشان أمنع صوت نفسي. دخلت من باب الدور الأرضي. لقيت نفسي في ممر طويل مليان عربيات غسيل، ملايات بيضا، وصناديق منظفات. في آخره كان فيه عامل كبير في السن بيزق عربية. أول ما شافني وقف. قلبي وقع. بصلي من فوق لتحت. وبعدين قال:
— إنتِ جديدة؟
هزيت راسي بسرعة. — أيوه.
— تبع أنهي وردية؟
لساني اتعقد. قبل ما أرد، صوت جهاز لاسلكي كان معاه اشتغل.
— تنبيه لكل العاملين… ممنوع خروج أي موظف من المستشفى حتى إشعار آخر.
العامل بص للجهاز. وبعدين بصلي. — حصل إيه؟
قلت وأنا بحاول أثبت صوتي: — معرفش.
قرب مني خطوة. عينيه نزلت على إيدي. على الإسورة. الإسورة اللي نسيت أشيلها. إسورة المريضة. مد إيده ناحيتي.
— إنتِ…
جسمي كله اتشد. وفجأة صوت إنذار اشتغل في الناحية التانية من الممر. العامل لف. استغليت اللحظة وجريت.
— استني!
جريت ناحية المخزن. فتحت أول باب قابلني. دخلت. كان مليان أكياس ملايات وصناديق كبيرة. قفلت الباب، وسندت ضهري عليه. سمعت العامل بيجري بره. وبعدين سمعت أصوات تانية.
— شفت واحدة معدية من هنا؟
رد: — أيوه… دخلت الناحية دي.
حطيت إيدي على صدري. خلصت. هيلاقوني. بصيت حواليا بجنون. مفيش شباك. مفيش باب تاني. بس صناديق. وعربية غسيل ضخمة مليانة ملايات.
من غير تفكير، طلعت جواها وسحبت الملايات فوق جسمي. بعد ثواني… الباب اتفتح. دخل أكتر من شخص. سمعت صوت واحد منهم:
— فتشوا كويس.
خطواتهم اتحركت حواليا. واحد فتح دولاب. واحد زق صندوق. وبعدين… سمعت صوته. جوزي.
— هي هنا.
الدم جمد في عروقي. قرب. خطوة. خطوتين. وقف جنب العربية اللي أنا مستخبية فيها. كنت شايفة ضوء الأوضة من بين الملايات.
قال واحد: — حضرتك متأكد إنها ماخرجتش؟
رد جوزي: — هي لسه جوه المبنى.
صوت راجل تاني قال: — العملية لازم تبدأ خلال أقل من ساعة.
رد جوزي بعصبية: — عارف.
الراجل قال: — المشتري مش هينتظر أكتر.
غمضت عيني. المشتري. الكلمة دخلت قلبي زي السكينة. مكنش مجرد حد عايز يقتلني. كان فيه شخص بيدفع فلوس.
وفجأة سمعت جوزي بيقول: أنا دفعت تمن كل حاجة. الدكتور قال إن الإجراءات جاهزة.
رد الراجل: — المشكلة مش في الإجراءات. المشكلة إن المتبرعة عرفت.
جوزي قال: — حد حذرها.
سكتوا. وبعدين قال: — هعرف مين.
في اللحظة دي… إيده لمست طرف العربية. حسيت بيها تتحرك. كان هيبص جواها. لكن فجأة موبايله رن. رد.
— أيوه يا أمي.
سكت ثانيتين. وبعدين قال:
— إزاي يعني الممرضة اختفت؟!
قلبي وقف. خرج بسرعة. الرجالة خرجوا وراه. فضلت مستخبية حوالي دقيقة كاملة. يمكن أكتر. مكنتش عارفة. الوقت نفسه فقد معناه.
طلعت ببطء. بصيت ناحية الباب. مفيش حد. جريت. وصلت لمخزن الغسيل. وفي آخره فعلًا كان فيه باب تحميل كبير. لكن قبل ما أوصله… لقيت راجل أمن واقف قدامه. رجعت بسرعة ورا رف كبير. مفيش طريق.
بصيت ناحية باب جانبي صغير. مكتوب عليه: نفايات طبية. فتحت. ريحة المطهرات ضربت في وشي. كان فيه ممر صغير بيؤدي لساحة خلفية. جريت فيه. وصلت لباب حديد. دفعته. وخرجت.
المطر نزل على وشي مرة واحدة. كنت بره المستشفى. لكن فرحتي ماكملتش ثانيتين. الساحة الخلفية كانت محاطة بسور عالي. وفي آخرها بوابة عليها حارس. بصيت يمين. عربيات إسعاف. شمال. عربية نقل نفايات كانت بتتحرك ببطء ناحية البوابة.
جريت ناحيتها. فتحت الباب الخلفي قبل ما تتحرك بسرعة، وطلعت. استخبيت ورا صناديق بلاستيك. العربية اتحركت. وصلت البوابة. سمعت الحارس بيقول للسواق:
— استنى.
العربية وقفت.
— أوامر جديدة. لازم نفتش العربيات.
نفسي وقف. سمعت الباب الخلفي بيتفتح. نور دخل. الحارس طلع جوه. خطواته قربت. كنت مستخبية بين صندوقين. قرب أكتر. وفجأة جهازه اللاسلكي اشتغل:
— لقيناها!
الحارس وقف. صوت جوزي جه من الجهاز: — فين؟
— الدور التاني، عند المصاعد!
الحارس نزل بسرعة. الباب اتقفل. العربية اتحركت.
معرفتش مين اللي شافوه. لكن فهمت حاجة واحدة. الممرضة. كانت بتضحي بنفسها علشان تخرجني.
بعد دقايق، العربية خرجت من المستشفى. فضلت مستخبية لحد ما حسيت إننا بعدنا. ولما العربية وقفت عند إشارة، فتحت الباب ونزلت. جريت تحت المطر.
مكنش معايا موبايل. ولا فلوس. ولا بطاقة. ولا حتى هدومي. كنت ست هربانة بزي عاملة نظافة من مستشفى خاص، ومش عارفة أروح فين.




