Uncategorized

جوزي سابني

بص لإيده اللي بتترعش وقال:

— “أنا غلطت في حقك.”

— “عارفة.”

تأثر إن رد فعلي كان جاف ومفيهوش طبطبة.

— “أنا افتكرت إن اللي مع مي كان حاجة ناقصاني.. شغف.. حياة جديدة.. دلوقتي مفيش حاجة في دماغي غير بيتنا واللي كان بينا…”

— “اللي كان بينا ولا كل الحاجات اللي كنت بعملها عشانك وتوفر عليك التعب؟”

رفع عينه في عيني:

— “كده مش عدل على فكرة.”

— “أمك جتلي لحد باب الشقة ومعاها ملف التأهيل بتاعك بأوامرك.”

أحمد غمض عينه:

— “أنا مقلتلهاش تعمل كده.”

— “يعني أنت عايز ترجع تعيش معايا؟”

ماسردش بسرعة، والسكوت ده كان إجابة كافية جداً.

— “أمي مش هتقدر تشيل الشيلة دي كلها،” قالها في الآخر، “وأختي عندها عيال وصغار.. أنتِ عارفة التأمين بتاعي والمستشفيات والحسابات.. وأنا قلت يمكن دي تكون فرصة…”

— “فرصة لإيه؟”

— “نبدأ من جديد.”

حسيت بالحزن، بس مفيش نقطة تردد واحدة جوايا.

— “يا أحمد، لو مي كانت لسه عايشة، كنت هتبقى قاعد قدامي دلوقتي بتطلب فرصة جديدة؟”

وشه اتثبت وماعرفش يرد.

— “زي ما توقعت.”

— “كارولين…”

— “أنا زعلانة على اللي حصلك، بجد زعلانة.. بس مش هكون الخطة ب اللي بترجعلها لما الخطة أ تضيع منك.”

قمت وقفت:

— “أتمنى تتعلم تبني حياة لنفسك من غير ما تستنى واحدة ست هي اللي تديرها وتديرك.”

مشيت من المركز ورجلي بتتخشب تحت مني، كنت فاكرة إن دي آخر مرة أحمد هيحاول يرجعني فيها لوظيفني القديمة في حياته.. بس طلعت غلطانة. بعد تلات أسابيع، أستاذة ريم المحامية طلبتني في مكتبها.

— “محامي أحمد بعت طلب للمحكمة بيطلب فيه نفقة وقتية ومساعدة مالية منك وتغطي جزء من مصاريفه لحد ما القضية والطلاق يخلصوا.”

— “عشان ظروف إعاقته؟”

— “جزء بسبب ده.. والجزء الثاني إنه كاتب إنك طول فترة الجواز كنتِ أنتِ اللي بتديري وتنفيقي على أغلب مصاريف البيت وهو اعتمد على النظام ده.”

ضحكت ضحكة كلها مرار:

— “يعني سبع سنين من التعب والخدمة اللي بلاش مكنش ليها قيمة.. لحد ما مبقتش موجودة؟”

ريم متسمتش:

— “عشان كده هنفصل بين حاجتين: حالته الصحية تستاهل تقييم عادل، بس قراراته في الجواز تستاهل تقييم عادل برضه.”

ولما جينا نراجع كشوفات الحسابات البنكية القديمة، اكتشفت حاجة مكنتش واخدة بالي منها.. في آخر أربع شهور ولينا سوا، أحمد كان بيسحب من الكارت المشترك لمطاعم وفنادق وهدايا ودفع مقدم الشقة اللي أجرها مع مي في المقطم! المبالغ كلها تعدت الـ 300 ألف جنيه.. بس الأدهى، إنه كان ساحب 150 ألف جنيه من حساب الطوارئ بتاعنا وتحت مسمى “مشتريات منزلية

— “الفلوس دي كنا محوشينها للظروف الصحية أو لو حد ساب الشغل!”

— “وهو استخدمها عشان يؤسس بيها بيت تاني،” ريم ردت بثبات.

جلسة التسوية المادية كانت بعد أسبوع.. مفيش خناقات ولا دراما، أحمد ومحاميه، وريم وأنا، والموفق المالي، وحماتي كانت قاعدة بره المستشفى. محامي أحمد اتكلم عن فترة تأهيله وخسارته لدخله.. ريم وافقت إن الحادثة غيرت قدرته على العمل، بس حطت التسلسل الزمني على الترابيزة بكل ب any:

أولاً: بداية علاقته بـ مي.

ثانياً: السحب والمصاريف من الحساب المشترك.

ثالثاً: خروجه من بيت الزوجية بإرادته.

رابعاً: عقد شقة المقطم.

خامساً: الحادثة بعد تمان أسابيع.

أحمد كان باصص للأوراق ومبيطلعش العيب.. الموفق المالي شاور على تحويل حساب الطوارئ:

— “يا أستاذ أحمد، هل المدام وافقت على سحب المبلغ ده؟”

— “لا.”

— “واتصرف في إيه؟”

أحمد أخد وقت طويل أوي عقبال ما ينطق:

— “عشان عفش الشقة.”

— “عفش أنهي شقة؟”

السكوت جاوب قبل ما هو يتكلم.

ولما خرجنا، حماتي قربت بغضب:

— “أنتِ بجد هتحاسبيه وتطالبيه بالفلوس دي وهو في الظروف دي؟”

— “أنا مش بطالبه بالفلوس عشان هو مصاب، أنا بطالبه بحقي اللي أخده وصرفه من قبل ما يتصاب.”

— “طول عمرك بتلاقي طريقة تطلعي بيها نفسك صح!”

هنا أحمد اتكلم من وراها على الكرسي المتحرك:

— “خلاص يا أمي.. خلاص.”

أمه لفت بصتله بذهول، وأحمد بصلي وقال:

— “الفلوس دي كانت لشقة المقطم.. وكارولين مكنتش تعرف ولا وافقت.”

كانت أول مرة أسمعه بيعترف بالحقيقة حتى لو ضد مصلحته.. مكنتش غفران ولا تكفير عن ذنبه، بس كانت الحقيقة.

بعدها بيومين حصلت حاجة مكنش حد متوقعها.. الأخصائية الاجتماعية في مستشفى التأهيل كلمت ريم المحامية، وقالت إن أحمد طلب يغير خطة الخروج بتاعته.. مبقاش عايز يرجع معايا، وطلب يتنقل لدار تأهيل سكن مساعدة مؤقتة عشان يتعلم بنفسه إزاي ياخد أدوية ويلتزم بمواعيده ويعتمد على نفسه.

لما ريم حكتلي، حسيت براحة ونفس طالع من قلبي.. بس كملت وقالتي:

— “بس طلب النفقة والدعم المالي في المحكمة لسه شغال.”

الجلسة كان متحدد لها الشهر الجاي.. والمرة دي أحمد مكنش بيطلب إني أرجعله مشاعري.. كان بيطلب إن القاضي يحدد قد إيه من حياته الجديدة لسه مسؤوليتي أنا!

الجلسة كانت في محكمة الأسرة في التجمع الخامس.

اليوم ده، القاعة كانت زحمة، وصوت المداولات والمحامين مالين المكان. أنا وريم المحامية كنا قاعدين في الصالة بنراجع الأوراق الأخيرة. أحمد جه مع محاميه وأخته، قاعد على الكرسي المتحرك بيبص للأرض، وأمه كانت واقفة وراه باصة لي بنظرات كلها غل وعتاب.

لما اسم قضيتنا اتنده، دخلنا وقفنا قدام القاضي.

محامي أحمد بدأ يتكلم بنبرة عاطفية جداً:

— “سيادة القاضي، موكلي تعرض لحادث أليم أدى لإعاقة كاملة وخسارة مصدر دخله، والمدعى عليها كانت بتدير كافة شؤون حياتهم المالية والأسريّة طوال سبع سنوات، وهي ميسورة الحال وفي وظيفة مرموقة. موكلي في أشد الحاجة لدعم مالي ووقت موؤقت من زوجته لتغطية تكاليف العلاج والعيش الكريم.”

سكت المحامي، والقاضي بصلنا وطلب من ريم الرد.

ريم وقفت بكل ثبات وطلبت الإذن بتقديم الملف المستندي اللي حصرناه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى