
جوزي مسك إيدي وقال:
— ماتبعديش عني.
سمعنا صوت زجاج بيتكسر.
ثم صرخة أحد الحراس.
وأبويا قال بصوت منخفض:
— وصلوا لنا.
المشهد الرابع: أول مرة أعيش بوشي الحقيقي
الدنيا تحولت لفوضى.
الحراس انتشروا في القصر، وأبويا قفل الأبواب الحديدية.
جوزي أخدني لغرفة سرية خلف المكتبة.
وأنا لأول مرة كنت ماشية في مكان مش عارفة هو موجود أصلًا.
دخلنا غرفة صغيرة تحت الأرض.
أبويا قفل الباب علينا.
فضلنا ساكتين.
وفجأة سمعنا صوت خطوات فوقنا.
قلت وأنا مرعوبة:
— هنموت؟
أبويا قرب مني وقال:
— لأ.
وبص في وشي.
— المرة دي مش هسيبك لوحدك.
بعد دقائق، وصلت الشرطة بعد ما أبويا بلغهم قبل الهجوم.
واتقبض على أفراد العصابة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الشخص اللي دبر كل حاجة…
كان عمي.
أخو أبويا.
هو اللي كان عايز الميراث.
وهو اللي أقنع أبويا من سنين إن أفضل طريقة لحمايتي هي إخفائي عن العالم.
كان بيحركه من ورا الستار وهو مستفيد من خوفي وعزلتي.
وبعد ما اتقبض عليه، الحقيقة ظهرت كاملة.
أبويا وقف قدامي وقال:
— أنا آسف.
كنت أقدر أصرخ.
أقدر أكرهه.
لكن لأول مرة شفت في عينه أب مش رجل أعمال.
قلت:
— أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.
هز راسه.
— ومن حقك.
— ومش هقدر أرجع أعيش زي الأول.
قال:
— مش عايزك ترجعي.
ثم أخذ الشاش الأبيض اللي كان موضوع على الترابيزة.
بص له طويلًا.
وبعدين حطه قدامي.
قال:
— ده انتهى.
مسكته بإيدي.
وبهدوء رميته في سلة المهملات.
جوزي كان واقف بعيد.
قرب مني وقال:
— لو عايزة ننفصل بعد كل اللي حصل… أنا هاحترم قرارك.
بصيت له.
— وإنت؟
قال:
— أنا كنت داخل حياتك بطمع… لكن لو ادتيني فرصة، عايز أبدأ معاكي من الصفر.
سألته:
— من غير صفقات؟
ابتسم.
— من غير صفقات.
بعد شهور، بدأت أخرج لأول مرة من غير شاش.
دخلت الجامعة.
اشتريت هدومي بنفسي.
اتعلمت أسوق.
عملت أصحاب.
وكل مرة كنت أقف قدام المراية، كنت أفتكر البنت الصغيرة اللي كانت بتخاف تشوف نفسها.
وفي يوم، دخلت نفس القاعة اللي كنت اتمنعت فيها من المرايات وأنا طفلة.
وقفت قدام المراية الكبيرة.
وبصيت لنفسي.
ابتسمت.
وقلت:
— أنا مش عارفة ليه أخدوا مني سنين عمري… لكن من النهارده محدش هيقرر أنا أكون مين.
وفي اللحظة دي دخل أبويا.
وقف بعيد.
وقال:
— فخور بيكي.
بصيت له وقلت:
— أنا كمان فخورة بنفسي.
ابتسم.
وأنا خرجت من القصر لأول مرة من غير حارس ورايا.
من غير شاش على وشي.
ومن غير خوف.
لأني أخيرًا فهمت إن أسوأ تشوه ممكن يحصل للإنسان…
مش في وشه.
أسوأ تشوه هو إن حد يقنعه إنه أقل من غيره… ويخليه يخاف من نفسه.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن الشاش اللي كنت بلف بيه وشي من يوم ما اتولدت، بابتسم وأقول:
— الشاش كان مخبي وشي فعلًا…
بس الحقيقة إنه كان مخبي حياتي كلها.
والنهارده…
أنا أخيرًا عايشة.
المشهد الأول: بعد ما افتكرت إني أخيرًا اتحررت
عدت شهور بعد اللي حصل.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتي خلصت.
بقيت بخرج من البيت من غير شاش.
دخلت الجامعة.
بدأت أتعرف على الناس.
ولأول مرة بقى عندي صحاب بينادوني باسمي مش “البنت اللي وشها متغطي”.
حتى علاقتي بأبويا بدأت تتحسن.
ما رجعتش زي زمان.
كان فيه جرح كبير بينا، لكن لأول مرة بقينا بنتكلم من غير أوامر.
أما جوزي…
فالعلاقة بينا كانت أغرب حاجة.
هو كان بيحاول يصلح اللي عمله.
كان بيسألني قبل ما ياخد أي قرار يخصني.
ولو شافني متضايقة كان يبعد.
ما بقاش يفرض نفسه عليا.
وفي يوم رجعت من الجامعة، لقيته مستنيني.
قال:
— في حاجة لازم تشوفيها.
دخلت معاه المكتب.
وحط قدامي ظرف بني.
فتحته.
جواه صور قديمة جدًا.
صورة لأمي.
وصورة لأبويا.
وصورة لست غريبة واقفة جنبهم.
أول ما شفتها، حسيت بقشعريرة.
— مين دي؟
جوزي قال:
— دي أخت أبوكي.
بصيت للصورة.
— عمي كان بيقول إنه ماكانش ليه أخوات بنات.
قال:
— كان بيكدب.
وقلب الصورة.
كان مكتوب وراها:
“إلى ابنتي الوحيدة… لو حصل لي أي حاجة، ماتثقش في أخويا.”
قلبي دق بعنف.
— ابنتها؟
جوزي قال:
— الست دي كانت متجوزة، وكان عندها بنت.
— بنت؟
هز راسه.
— والبنت دي اختفت من سنين.
سكت لحظة.
ثم قال:
— وأنا بدأت أشك إنها لسه عايشة.
بصيت له.
— وإيه علاقتها بيا؟
قال:
— ده اللي مش عارفه.
وقبل ما أقدر أسأله…
رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
في البداية ما سمعتش غير نفس طويل.
ثم صوت ست عجوز قال:
— أخيرًا شلتي الشاش.
اتجمدت.
— مين؟
قالت:
— أنا الوحيدة اللي تعرف الحقيقة كاملة عن وشك… وعن أمك.
وقبل ما أتكلم…
قفلت الخط.
المشهد الثاني: الست اللي كانت بتراقبني من زمان
حاولنا نرجع نتصل بالرقم.
كان مقفول.
جوزي قال:
— لازم نعرف مين الست دي.
وفي اليوم التالي، وصل ظرف جديد.
جواه عنوان.
ومكتوب:
“تعالي لوحدك.”
طبعًا أنا ما روحتش لوحدي.
جوزي أصر ييجي معايا.
وصلنا لمكان قديم في أطراف المدينة.
بيت صغير مهجور تقريبًا.
خبطنا.
الباب اتفتح.
وظهرت قدامنا ست كبيرة في السن.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
قالت:
— شبه أمك.
أنا ماقدرتش أتكلم.
دخلنا.
قعدت قدامي وقالت:
— أنا كنت صاحبة أمك.
— تعرفيها؟
ضحكت بحزن.
— أنا كنت أقرب واحدة ليها.
ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا.
فتحته.
كان جواه ملابس أطفال قديمة.
وصورة لأمي وهي حامل.
قالت:
— أمك كانت عارفة إن أخو أبوكي طماع.
— عشان كده بابا لف وشي بالشاش؟
هزت رأسها.
— لأ.
اتصدمت.
— يعني إيه؟
قالت:
— أبوكي كان عنده سبب تاني.
— إيه هو؟
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت:
— يوم ولادتك حصلت حاجة في المستشفى.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— إيه؟
قالت:
— كان فيه طفلة تانية اتولدت في نفس اليوم.
سكتت.
— طفلة شبهك جدًا.
بصيت لجوزي.
— توأم؟
قالت:
— مش توأم.
ثم أخرجت ورقة قديمة.
— بنت تانية اتبدلت معاكي بالغلط وقت الولادة.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
— يعني إيه؟
قالت:
— يعني ممكن تكوني طول عمرك مش البنت اللي أبوكي كان فاكر إنه أخدها من المستشفى.
صرخت:
— لأ!
قالت بسرعة:
— اسمعيني.
وأكملت:
— حصلت مشكلة في ملفات الولادة. وبعدها والدتك ماتت. وأبوكي أخدك وقرر يخبي وشك بالشاش.
— ليه؟
قالت:
— لأنه كان خايف إن البنت الحقيقية تظهر يومًا ما.
جوزي قال:
— ومين البنت التانية؟
الست بصت له.
وقالت:
— مش عارفين.
ثم قربت مني.
— لكني شفتها من سنين.
سألتها:
— فين؟
قالت:
— عايشة.
قلبي توقف.
— فين؟
قالت:
— في نفس المدينة.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت عربية توقفت بره.
الست اتوترت.
قامت بسرعة.
بصت من الشباك.
وبعدين قالت:
— لازم تمشوا حالًا.
جوزي وقف.
— مين اللي بره؟
قالت:
— الشخص اللي كان بيدور عليكي من سنين.
المشهد الثالث: البنت اللي شبهتني بشكل مرعب
خرجنا من البيت بسرعة.
ركبنا العربية.
لكن قبل ما نمشي، الست جريت ورانا.
حطت ظرف في إيدي.
وقالت:
— ماتفتحيهوش غير لما تكوني في مكان آمن.
وبعدين قفلت الباب.
طول الطريق وأنا ماسكة الظرف.
كنت حاسة إنه تقيل رغم إنه مجرد ورق.
أول ما وصلنا البيت، فتحته.
كان جواه عنوان مستشفى قديم.
وصورة لفتاة.
أول ما شفت الصورة…
صرخت.
جوزي بصلي.
— مالك؟
مديت له الصورة.
— دي… أنا.
كانت بنت شبه صورتي بشكل مرعب.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
حتى الشامة الصغيرة اللي عند رقبتي كانت موجودة عندها.
لكن تحت الصورة كان مكتوب اسم:
ليان محمود.
جوزي قال:
— لازم نروح المستشفى.
في نفس اليوم رحنا.
وسألنا عن الاسم.
الموظفة القديمة بصت للصورة، وبعدها بصت لي.
وشها اتغير.
قالت:
— إنتِ مين؟
قلت:
— أنا بدور على ليان.
قالت:
— ليان كانت هنا من سنين.
— كانت؟
هزت رأسها.
— خرجت من المستشفى وهي طفلة.
— راحت فين؟
قالت:
— عيلة كبيرة أخدتها.
— مين؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— عيلة والدك.
اتصدمت.
رجعنا البيت وأنا مش فاهمة حاجة.
دخلت على أبويا.
حطيت الصورة قدامه.
أول ما شافها…
وشه اصفر.
قلت:
— مين ليان؟
سكت.
صرخت:
— مين ليان يا بابا؟
قال:
— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
— يعني إيه؟
جلس.
وبص للأرض.
— ليان كانت بنت أختي.
قلت:
— بنت أختك؟
— آه.
— وليه كانت شبهّي؟
سكت طويلًا.
ثم قال:
— لأنها أختك.
ما فهمتش.
— أختي إزاي؟
قال:
— لأن أمك كانت حامل في توأم.
الدنيا سكتت.
حتى جوزي ما اتكلمش.
أبويا كمل:
— لكن واحدة من البنتين اتولدت ضعيفة جدًا، والدكاترة قالوا إنها مش هتعيش.
— وإيه اللي حصل؟
قال:
— أخدوها بعيد.
— بعيد فين؟
— عيلة من أقاربنا أخدتها.
قلت:
— وإنت سبتهم؟
قال:
— كنت فاكر إنها ماتت.
ثم بكى لأول مرة قدامي.
— لكن بعد سنين اكتشفت إنها عايشة.
سألته:
— ليه ماجبتهاش؟
قال:
— حاولت.
— وحصل إيه؟
رفع عينه لي.
— اختفت.
وفي اللحظة دي…
رن جرس البيت.
الحارس دخل وقال:
— في ست برا بتطلب تقابل الآنسة.
سألته:
— اسمها إيه؟
رد:
— ليان.
المشهد الرابع: أختي اللي عاشت حياتي اللي اتسرقت مني
خرجت للصالة.
وقفت عند الباب.
وشفتها.
نفس عيني.
نفس ملامحي.
نفس الشامة.
كانت واقفة قدامي وأنا حاسة إني ببص في مراية.
لكن الفرق الوحيد…
إن هي كانت لابسة شاش على وشها.
اتقدمت ناحيتي.
وقالت:
— أنا ليان.
دموعي نزلت.
— إنتِ أختي؟
هزت رأسها.
— آه.
ثم بدأت تفك الشاش ببطء.
طبقة…
والتانية…
والتالتة…
ولما ظهر وشها…
بصيت لها وأنا مصدومة.
كانت مطابقة لي تقريبًا.
جوزي قال:
— مستحيل.
ليان ابتسمت بحزن.
— أبوكي كان بيخبي وشك بالشاش عشان محدش يعرف إن فيه بنتين شبه بعض.
بصيت لأبويا.
— ليه؟
قال:
— كنت خايف إنهم يستخدموكي بدل أختك.
ليان قالت:
— بس الحقيقة إنهم استخدموني أنا.
ثم بدأت تحكي.
قالت إنها كبرت في بيت أقاربنا.
وإنهم كانوا بيقولوا لها إنها مش مهمة.
وإنها طول عمرها كانت فاكرة إن أختها ماتت.
لكن من سنين اكتشفت الحقيقة.
وعرفت إن أختها عايشة في قصر.
وعرفت كمان إن أختها بتعيش بالشاش.
قالت:
— فضلت أدور عليكي.
سألتها:
— ليه ماجيتيش؟
قالت:
— كل مرة كنت بقرب منك، كانوا يمنعوني.
ثم بصت لأبويا.
— وهو كان فاكر إنه بيحميها.
أبويا بكى.
— كنت بحمي بنتي.
قالت:
— وإنت حرمتها من نفسها.
سكت.
وأنا وقفت بين الاتنين.
لأول مرة في حياتي…
ماكانش عندي سؤال عن شكلي.
لأن المرآة اللي كنت بخاف منها طول عمري…
بقت واقفة قدامي في صورة إنسانة تانية.
أختي.
حضنتها.
وبكينا سوا.
لكن قبل ما نقدر نستوعب أي حاجة، دخل جوزي بسرعة.
وشه كان متغير.
قال:
— في مشكلة.
بصيت له.
— إيه؟
قال:
— الملف اللي لقيناه عن أختك…
فتح موبايله.
— فيه اسم شخص واحد بيتكرر في كل الأوراق.
سألته:
— مين؟
بص لأبويا.
وبعدين قال:
— الشخص ده هو اللي موّل كل اللي حصل من البداية.
أبويا قرب.
— مين؟
جوزي رفع عينه وقال:
— جدك.
سكتنا كلنا.
قلت:
— جدي مات من عشرين سنة.
قال:
— عارف.
ثم أضاف:
— لكن الحسابات اللي مولت كل ده…
لسه شغالة لحد النهارده.




