
أيام الانتظار.. والوجع الصاحي
مرت الأيام بعد الرسالة دي وكأنها سنين، الشنط اللي جمعت فيها هدومه فضلت واقفة جنب الباب، كأنها شاهد على خطايانا، أو بالأصح على غدره. في كل صباح، كنت بكسر نفسي عشان أقوم، ألبس خمارى، أنزل لشغلي، وأبص في وشوش زمايلي وأنا بحاول أداري عيوني المنفوخة من كتر البكا ورا ابتسامة باهتة. الشغل اللي كنت بتميز فيه وبياخد كل طاقتي، بقيت بروحله زي الآلة، بس الحاجة الوحيدة اللي كانت بتقويني هي فكرة إني مش مكسورة ماديًا؛ مرتبى اللي كنت بديهوله كله في إيده بقى هو حصني وأماني وأمان عيالي اللي اتخلى عنهم وعني في لحظة.
العيال كانوا بيسألوا: “بابا فين يا ماما؟ هو مش هيجي يشوف شقتنا الجديدة؟” كنت ببلع غصتي وأقولهم: “بابا مسافر يا حبايب قلبي، هيخلص شغل ويجي”. وفي سري كنت بقول: بابا مات يا أولادي، مات بالرخص والندالة. الغريب إنه حتى مرفعش سماعة التليفون يسمع صوتهم، كأنهم هما كمان كانوا جزء من الغشاوة اللي زعم إنها كانت على عينه.
كنت بقعد بالليل، في الضلمة، أسأل نفسي: هو أنا بجد كنت وحشة للدرجة دي؟ أنا اللي كنت بنور لما يدخل، اللي كنت بهزر وأضحك وأخليه بره الدنيا وهو معايا في أوضتنا، اللي كان بيحلف بجمالي وبدلالي.. أطلع في الآخر محتاجة “حاجة تسطله” عشان يطيق يقرب مني؟! الكلمة دي بالذات كانت بتدبحني كل ما تيجي على بالي، كانت بتخليني أحس بإهانة لـ أُنوثتي وكرامتي كست، إهانة متمحيهاش مية مية من دموع الندم لو جه وركع تحت رجلي.
المواجهة الكبيرة
بعد أسبوعين من الصمت، جه اليوم المحتوم. اتصل بأخويا الكبير وحددوا المعاد مع المأذون. كنت فاكرة إنه هيبعت حد ياخد الشنط، أو إنه هيتهرب من المواجهة، بس هو جه بنفسه. لما الباب خبط، قلبي دق بسرعة جنونية، حسيت بركبي مش شايلاني. فتحت الباب وأنا حاطة وشي في الأرض كالعادة، احترامي لنفسي ولالتزامي مبيتجزأش حتى مع اللي ظلمني.
دخل ياخد الشنط، مكنش قادر يحط عينه في عيني. كان باين عليه الارتباك، ووشه شاحب، مش ده أحمد اللي أنا عشت معاه سنين. بص للشنط وقالي بصوت واطي ومردد: “أنا أسف يا منى.. بس ده النصيب”.
بصيتله لأول مرة، وبقوة أنا نفسي معرفش جبتها منين، قولتله: “النصيب ملوش ذنب يا أحمد. النصيب مش هو اللي بياخد دهب مراته وشقاها ويفرش بيه بيته وبعدين يقولها كنت محبوس. النصيب بريء من قسوتك وكلامك اللي دبحني. أنا مش زعلانة على عمري اللي راح، أنا زعلانة عليك إنت، عشان خسرت الست اللي كانت مستعدة تموت عشانك”.
سكت ومطقش بحرف، أخد الشنط ونزل وعينه في الأرض. وفي نفس اليوم، وفي مكتب المأذون، وبحضور إخواتي، كل حاجة انتهت رسميًا. الورقة اللي كانت رابطانا اتقطعت، والراجل اللي كان حب عمري كله بقى مجرد “أكس” في حياتي.
البداية الجديدة من تحت الرماد
أنا دلوقتي قاعدة في شقتي الجديدة، الشقة اللي دافعة تمنها من دمي ودهب أهلي. العفش الجديد لسه بيلمع، بس المرة دي اللمعة مش مبهوقة بوجود راجل مبيقدرش. الوجع لسه موجود، وأنا مش هكذب على نفسي وأقول إني نسيته في يوم وليلة، أنا لسه بفتكره وببكي، ولسه الحنين بيوجعني ساعات لأن الحب مش زرار بنطفي بيه مشاعرنا.
بس وسط كل الوجع ده، في إحساس بالحرية طالع من جوايا. أنا قوية، وبشتغل، ومرتبي في جيبي ومحدش بياخده مني غصب أو كرم مني للي ميسواش. عيالي في حضني، وربنا معايا. الصدمة قوتني وخليتني أعرف قيمتي بجد. الست اللي تقدر تبني بيت من الصفر وهي ملتزمة وبرأس مرفوعة، تقدر تعيش وتكبر وتربي ولادها وتكون بطلة قصتها لوحدها.
القصة اتقفلت، والغشاوة اللي كان بيتكلم عنها طارت من على عيني أنا مش عينه هو.. وعرفت إن اللي يبيع الغالي برخيص، بكرة الزمن يعلمه قيمته.. وأنا غالية قوي، ومكاني فوق، ومش هبص ورايا تاني.




