
الجديدة لسه ريحة البوهية فيها، كل ركن فيها اخترته على الفرازة. وقفت في نص الصالة، ببص على العفش والستائر اللي نسقتها بذوقي، وفركت صباعي اللي كان فيه خاتم دهبي.. أو اللي فاضل من ريحة دهبي. أنا بايعة كل دهب أهلي وشقايا عشان أفرش البيت ده، وعشان أعمله هو وعياله حياة تليق بيهم.
أنا عمري ما كنت مجرد ست بيت وخلاص، أنا كنت الموتور اللي ممشي المركب دي. بره البيت خمار وملتزمة ووشي في الأرض، وبشتغل ومرتبي أعلى من مرتبه، وأول كل شهر كنت باخد المرتب كله أحطه في إيده وأقوله: “إحنا واحد يا أحمد، الفلوس فلوسك والبيت بيتك”. وفي علاقتنا الخاصة، هو نفسه كان بيشهد لي بجمالي وأنثوتي، وكنت بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أبسطه وأملا عينه.
الدنيا كانت ماشية عادي لحد ما والدته تعبت. قولتله: “سافر يا أحمد، اقعد معاها في بيت العيلة وده واجبك ومفيش كلام”. سافر، وقعدت أنا شايلة البيت والعيال وشغلي، ومستنية مكالمة منه. المكالمات بدأت تقل وبقت كلمتين وبس، وكنت بقول معلش، ضغط وتعب والدته.
الرسالة اللي كل حاجة
والدته خفت بالسلامة، وكنت مستنياه يرجع بفارغ الصبر. جهزت الشقة الجديدة ونضفتها وجبت ورد، وكلمته في التليفون وبقوله بفرحة: “هتيجي امتى بقى يا حبيبي؟ البيت وحش من غيرك والعيال مستنيينك”.
لقيت صوته طالع ناشف، بارد، كأنه واحد عمري ما شفته قبل كده. قالي جملة واحدة: “أنا مش هدخل البيت ده تاني يا منى.. جمعيلي هدومي في شنط عشان همر آخدهم!”. افتكرته بيهزر، ضحكت وقولتله: “بطل مقالب وتعالى الشقة الجديدة مستنياك”.
لقيته باعتلي رسالة طويلة على الواتساب.. رسالة نزلت عليا زي السكينة اللي بتدبح، كلامها لسه بيتردد في ودني وبيموتني كل ثانية. كتبلي فيها:
“أنا مش بهزر يا منى، أنا كنت معاكي محبوس، وكان في غشاوة على عيني. حاجات كتيرة عديتها وكنت المفروض مقبلش بيها من الأول.. أنا مش مبسوط معاكي.
أنا من يوم ما اتجوزتك وأنا حاسس إني مغصوب وكرهت حياتي بسببك، وكنت بقول لنفسي يمكن الحال يتعدل بس خلاص مش قادر. حتى لما كنت بحاول اتقرب منك.. كنت لازم آخد حاجة تسطلني وتغيب عقلي عشان أعرف آجي جنبك!
خدي البيت والعيال واعتبريني مت، ومتفكريش إن ليكي علاقة بيا نهائي بعد النهاردة. كلمي حد من إخواتك وشوفي هنروح للمأذون امتى، صدقيني ده أحسن ليا وليكي.”
مكتفاش بكده، ده اتصل بكل عيلته، الكبير والصغير، وعرفهم إنه خلاص هيطلق ومش راجع، وقفل كل الأبواب في وشي من غير ما يديني حتى فرصة أفهم أو أعاتب.
من ساعتها وأنا مش عارفة آخد نفسي. قاعدة في الشقة الجديدة اللي دافعة فيها شقا عمري، وببص على الحيطان وحاسة إن روحي بتتسحب مني. الصدمة مش في الفراق، الصدمة في القسوة، في النكران، في إنه هدم كل حاجة حلوة عشناها.
بسأل نفسي مية مرة: أنا الجميلة، الملتزمة، اللي مدلوقة عليه وبحبه، اللي ميبخلتش بفلوسي ولا دهبي ولا مشاعري.. أكون في نظره سجن؟ وبقى محتاج يغيب عن الوعي عشان يقرب مني؟ ليه شوه كل حاجة حلوة عملتهالو؟
إخواتي لما عرفوا ثاروا وجمبي، واعتبروا كلامه إهانة وتملص من المسؤولية بعد ما خد كل اللي ورايا واللي قدامي. وأنا، رغم إني بموت فيه ومتعلقة بيه جداً وحب عمري بجد، وبنام والدموع حارقة عيني.. إلا إن في حاجة جوايا اتكسرت وللأبد. كرامتي اللي داس عليها بكلامه وقسوته صحت فيا فوق كل الحب ده.
أنا اللي بنيت البيت ده من الصفر بذهبي وعرقي، ومش هكسر نفسي عشان راجل شاف تضحياتي سجن وغشاوة. جمعتله هدومه كلها في الشنط وحطيتها جمب الباب، ومستنية خطوة المأذون ورأسي مرفوعة. ومصدومة لدرجة إني بقولها وبأكدها لنفسي وللدنيا كلها: لو جه تحت رجلي يبوسها عشان أرجعله.. عمري ما هيرجعله تاني.




