
، أوقفتني عند باب القاعة وقالت أمام الناس إن شغلي انتهى ويمكنني الانصراف. بصيت إلى جوزي منتظرة أن يتدخل، لكنه نظر إلى الأرض وتركني أمشي وحدي. رجعت البيت، خلعت فستاني، ومسكت هاتفي، وأرسلت رسالة واحدة كانت بداية تغيير كبير في طريقة تعامل الجميع معي.
أنا اسمي منال، ومتجوزة حسام منذ أربع سنوات. خلال هذه المدة كنت أحاول أن أكسب رضا حماتي، الحاجة فوزية، التي لم تكن تنظر إليّ كزوجة ابنها بقدر ما كانت تنظر إليّ كشخص مطلوب منه خدمة العائلة وتنفيذ طلباتها دون نقاش. كنت أعمل، وأعود لأتولى شؤون البيت، وأساعد حماتي في طلباتها، وإذا احتاجت أخت جوزي شيئًا تركت ما في يدي وساعدتها. كنت أقول لنفسي إن العائلة سند، وإن الوقفة الطيبة لا تضيع.
لكن ما حدث قبل مناسبة أخت جوزي، داليا، جعلني أدرك أن بعض الناس يعتبرون الطيبة حقًا مكتسبًا، وأن أول مطالبة بالحق قد تُفهم عندهم كتقصير.
قبل المناسبة بأسبوع، اتصلت بي حماتي وطلبت مساعدتي في تجهيز الطعام، لأن عدد الضيوف كبير ولا ترغب في تحمل تكاليف إضافية. وافقت من أجل حسام، وقلت سأساعد يومين. لكن الأمر امتد إلى ثلاثة أيام من العمل المتواصل تقريبًا من الصباح حتى وقت متأخر من الليل. كنت أجهز المحاشي، وأتبّل الفراخ واللحمة، وأعد الصواني والحلويات. وكلما انتهيت من شيء، كانت حماتي تدخل وتقول إن الوقت يمر والمناسبة تقترب. وإذا طلبت مساعدة إضافية، كانت ترد بأنني قادرة وبأنني من العائلة. حتى بعض تكاليف المكونات التي نقصت دفعت جزءًا منها من مالي. ولما قلت لحسام إنني متعبة وأحتاج مساعدة، قال إنها أخته الوحيدة وعلينا أن نفرحها.
استمريت حتى انتهيت، وقلت في نفسي إن وقت المناسبة جاء، وسألبس فستاني وأقف بجانب جوزي وأشاركهم الفرح مثل أي فرد من العائلة.
يوم المناسبة، رجعت البيت سريعًا، ولبست فستانًا كحليًا اشتريته خصيصًا، ووضعت لمسة مكياج بسيطة، وخرجت وأنا أتوقع أن أرتاح أخيرًا وأجلس بين الناس.
لكن أول ما وصلت القاعة، وجدت حماتي عند الباب تستقبل الضيوف. أول ما رأتني، تغيرت ملامحها، ونظرت إليّ ثم قالت: «إنتِ جاية تعملي إيه؟» ظننت أنها تمزح، فقلت: «جاية أحضر مناسبة داليا يا ماما، هو أنا هفوتها؟» فقربت مني وقالت بطريقة سمعها من حولنا إن شغلي انتهى ويمكنني الانصراف، وإنهم لا يحتاجونني الآن.
حسيت بصدمة كبيرة. بصيت خلفها، وجدت حسام واقفًا على بعد خطوات ويسمع. ناديته وسألته إن كان سامعًا لما قالته أمه. نظر إليّ لحظة، ثم قال وهو يتجنب النظر في عيني إنه من الأفضل أن نمرر الليلة دون مشاكل، وأن أذهب إلى البيت ونتكلم بعدين.
في تلك اللحظة أدركت أن كرامتي عنده لم تكن كافية لمواجهة رضا أمه بكلمة واحدة.
لم أعطِ لنفسي وقتًا للبكاء أو الجدال. خرجت من القاعة، وكل خطوة كنت أشعر أنها تُبعدني عن نسخة قديمة مني كانت تجري وراء رضا الناس حتى على حساب نفسها. رجعت البيت، ووقفت أمام المرآة، ثم غيرت ملابسي، وجمعت شعري، وجلست على طرف السرير.
لم يتصل حسام ليطمئن عليّ، ولا أرسل رسالة.
بعد ساعة، رن الهاتف. كانت حماتي. قالت بكل بساطة إنني في الصباح آخذ بقايا الطعام وأنظف المطبخ، لأن البيت مقلوب بعد المناسبة. في تلك اللحظة ضحكت من قلبي لأول مرة منذ بداية التجهيزات. قلت لها بهدوء إنني سأفعل ما يلزم في إطار ترتيب واضح، لكن كل شيء سيتغير من الغد.
قفلت المكالمة، وراجعت في هاتفي كل ما كنت أقدمه للعائلة من غير مقابل: مصاريف دفعتها، طلبات قضيتها، ومشاوير قمت بها على حساب وقتي وراحتي. ثم أرسلت رسالة واحدة إلى مجموعة العائلة: «من الآن، كل شخص مسؤول عن بيته وطلباته. لن أتولى الطبخ أو التنظيف أو دفع مصاريف تخص غيري، ولن أقبل أن يُطلب مني خدمة ثم أُعامل كأنني لست من العائلة.»
لم تمر خمس دقائق حتى بدأ الهاتف يرن من كل جهة. حسام يتصل، وحماتي ترسل رسائل منزعجة، وداليا تسأل لماذا فعلت ذلك. وقبل أن أرد، وصلتني رسالة من رقم غير مسجل تقول إنها كانت حاضرة في المناسبة ورأت ما حدث، وإن هناك أمرًا يخص حماتي يجب أن أعرفه: حماتي لم توقفني عند القاعة لمجرد انتهاء الشغل، بل كانت تخشى أن أقابل شخصًا معينًا جاء يسأل عني.
تجمدت في مكاني. من هذا الشخص؟ وما علاقته بي؟ ثم وصلت صورة لرجل كبير في السن واقف أمام القاعة، وفي يده ظرف مكتوب عليه اسمي الكامل.
والأغرب أن حسام، عندما رأى الصورة، اتصل بي بصوت قلق يطلب مني ألا أفتح الظرف ولا أقابل الرجل قبل أن يصل. قال إنه في طريقه إليّ.
سكت لحظة، ثم رديت عليه بهدوء: «حسام، أنت تركتني وحدي عندما أوقفتني أمك، ولم تسأل عني حتى وصلت البيت. الآن تجري لأنك خائف عليّ، أم خائف من السر الذي أخفته أمك؟» ثم أنهيت المكالمة.
أرسلت رسالة إلى الرقم الغريب: «أنا في بيتي في مدينة نصر، يمكنك الحضور.»
جاء الرد سريعًا بأنه قريب من العمارة وسيصعد حالًا.
قمت، ومسحت دمعة واحدة كانت في طرف عيني، ولبست ملابس سوداء بسيطة، وفتحت باب الشقة ووقفت عند السلم.




