قصص و روايات

فستان غير حياتى

فضلت قاعدة على أرضية المطبخ لحد ما ركبتي فقدت الإحساس.

في الوقت ده، المطر كان اتحول لرذاذ بورتلاند الخفيف، النوع اللي مش بينزل فعلًا قد ما بيفضل معلق في الهوا، ولمبة الشارع اللي قدام الشباك كانت لسه منورة رغم إن الساعة عدت التاسعة الصبح، كأن محدش قال لها إن الشمس طلعت.

قطع لمبة أمي كانت لسه جوه كيس الزبالة.

القهوة بردت في الحوض.

والورقة المطوية كانت في جيب بنطلوني الأمامي اليمين.

ورقة صغيرة، مربعة، حد خياطها بإيده جوه فستان حرير.

بصيت ناحية الباب.

شمسية سارة كانت لسه في الحامل.

لونها كحلي غامق، بمقبض خشب بني، نفس الشمسية اللي كانت بتستخدمها من أيام الجامعة.

خرجت من الشقة من غيرها.

وسط مطر فبراير.

وده لوحده كان كفاية يقول لي إن اللي حصل النهارده كان أكبر بكتير من مجرد فستان أخافها.

طلعت موبايلي واتصلت بيها الساعة 9:40.

رن سبع مرات.

وبعدين دخلت المكالمة على البريد الصوتي.

اتصلت تاني الساعة 9:52.

المرة دي الموبايل رن مرتين بس، وبعدها المكالمة اتقفلت.

سارة هي اللي رفضت المكالمة.

بعت لها رسالة واحدة.

ثلاث كلمات: سارة، كلميني.

فضلت أبص للشاشة.

مفيش رد.

حطيت الموبايل على الترابيزة، ومشيت ناحية الفستان.

كان لسه معلق قدام مراية الريسبشن.

وقفت قدامه.

للحظة حسيت إني واقفة قدام شخص مش قطعة ملابس.

لمست الياقة.

المكان اللي لقيت فيه الحروف.

م. س.

وبعدين افتكرت الورقة.

طلعتها من جيبي.

كانت أصغر من كف إيدي.

الورق قديم شوية، لونه مائل للصفرة، لكن الحروف المكتوبة عليه كانت واضحة.

كان ممكن أفتحها في ثانيتين.

لكن إيدي مااتحركتش.

افتكرت كلام سارة.

لو قريتي الورقة دي، عمرك ما هتعرفي ترجعي زي الأول.

كنت فاكرة إنها جملة درامية نابعة من خوفها.

لكن بعد كل اللي حصل، ماعدتش متأكدة.

حطيت الورقة على الترابيزة.

مشيت ناحية المطبخ.

غسلت وشي.

رجعت.

فتحت الورقة.

وكان جواها سطر واحد.

سطر خلاني أنسى أتنفس.

إلى نادية حمدي… لو وصل الفستان إليها، يبقى كريم أخيرًا نفذ وعده.

فضلت باصة للكلمات.

مرة.

مرتين.

تلاتة.

قريت اسمي تاني.

نادية حمدي.

مش إلى سارة.

مش إلى كريم.

اسمي أنا.

حد كتب الورقة مخصوص عشاني.

لكن الجملة اللي بعدها كانت أغرب.

ما تثقيش في أي تفسير هيسمعه كريم منك.

إيدي بدأت ترتعش.

وقعت الورقة على الأرض.

رجعت التقطتها بسرعة.

في أسفل الورقة كان فيه عنوان.

عنوان مكتوب بخط صغير:

Rosemont Textile Studio

SE Division Street

Portland Oregon

فضلت ساكتة.

أنا أعرف الشارع ده.

كنت بعدي منه زمان وأنا رايحة شغلي القديم.

لكن عمري ما سمعت عن المكان ده.

رجعت بصيت للفستان.

فستان كريم قال إنه اشتراه من دنفر.

فستان مكتوب في ورقته اسم أتيليه في مدريد.

ودلوقتي فيه عنوان لخياطة في بورتلاند.

السؤال بقى مش مين م. س..

السؤال الحقيقي كان:

إزاي الفستان وصل لدنفر أصلًا؟

سمعت صوت مفتاح في الباب.

جسمي كله اتجمد.

كريم.

بصيت للساعة.

10:17.

كان المفروض يكون في المكتب من بدري.

اتجهت ناحية الباب ببطء.

المفتاح لف.

الباب اتفتح.

دخل كريم.

من غير معطف.

شعره مبلول.

وفي إيده كيس ورق بني.

أول ما شافني، وقف.

بص لي.

وبعدين عينيه راحت للفستان.

رجعت لوشي.

ثانية واحدة.

بس ثانية واحدة.

لكنها كانت كفاية.

عرف.

عرف إني اكتشفت حاجة.

قال: إنتِ كويسة؟

قلت: آه.

صوتي طلع أهدى من اللازم.

قفل الباب.

سارة كانت هنا؟

ماعرفتش أرد.

هو نفسه عرف الإجابة.

حط كيس الورق على الترابيزة.

وقال: حصل حاجة؟

قلت: أيوه.

رفع حاجبه.

إيه؟

مشيت ناحية الفستان.

وقفت جنبه.

وبصيت له.

سارة لبسته.

وشه مااتغيرش.

قال: وبعدين؟

صرخت.

سكت.

وقالت لي أشيله منها.

فضل ساكت.

قلت: وبعدين لقيت حاجة مخيطة جوه الياقة.

هنا إيده توقفت فوق الكيس.

سأل: إيه؟

بصيت له مباشرة.

حرفين.

صوته بقى أخفض.

إيه هما؟

قلت: م. س.

فضل باصص لي.

ثلاث ثواني.

أربع.

وبعدين قال: نادية، أنا مش فاهم.

ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرح.

وأنا كمان مش فاهمة.

طلعت الورقة.

حطيتها قدامه.

أول ما شافها، وشه اتغير.

المرة دي ماقدرش يخبي.

مد إيده ياخدها.

لكن سحبتها.

قلت: لأ.

بص لي.

نادية…

إنت عارف الورقة دي.

ماكانش سؤال.

كان اتهام.

قال: لأ.

قلت: بص في عيني وقولها تاني.

سكت.

قلت: إنت عارفها؟

قال: لأ.

فضلت أبص له.

وبعدين قلت: الورقة مكتوب فيها اسمي.

كريم مااتحركش.

مكتوب فيها إلى نادية حمدي.

حاول ياخد نفس.

مين كتبها؟

هزيت راسي.

ده سؤالي ليك.

اتحرك ناحية المطبخ.

أنا محتاج أفهم إنتِ بتتكلمي عن إيه.

مشيت وراه.

الفستان مش من دنفر، صح؟

وقف.

إيه؟

الفستان.

سكت.

إنت قلت إنك اشتريته من دنفر.

أيوه.

والورقة بتقول عنوان في بورتلاند.

ما ردش.

طلعت الموبايل وفتحت الكاميرا.

كنت مصورة الورقة قبل ما أحطها في جيبي.

وريتها له.

وشه شحب.

قلت: مين Rosemont Textile Studio؟

فضل ساكت.

وبعدين قال: معرفش.

غريبة.

ليه؟

لأن الورقة كانت مخيطة جوه الفستان.

يمكن الأتيليه اللي في مدريد…

قاطعته: أتيليه مدريد مش مكتوب على الورقة.

فتحت درج الطاولة وطلعت الكارت اللي كان جوه العلبة.

حطيته قدامه.

ده مكتوب عليه مدريد.

وبعدين حطيت الورقة جنبه.

وده مكتوب عليه بورتلاند.

بص للكارت.

وبعدين للورقة.

وبعدين لي.

ممكن يكون…

سكت.

قلت: ممكن يكون إيه؟

ماكملش.

ولأول مرة من يوم ما عرفت كريم، شفت عليه التردد بالشكل ده.

قلت: الفستان كان معمول لمين؟

رفع عينيه.

ليكي.

لأ.

نادية…

لو كان معمول ليا، ليه اسم شخص تاني مخيط جوه الياقة؟

سكت.

قلت: ومين م. س.؟

لثانية حسيت إنه هيقول الحقيقة.

لكنه بدلًا من كده قال: معرفش.

وقتها حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.

مش ثقة.

مش حب.

حاجة أبسط.

الإحساس بالأمان.

رجعت خطوة.

قلت: سارة تعرف.

كريم رفع رأسه بسرعة.

سارة قالت لك إيه؟

الجملة دي كانت كفاية.

وقفت.

بصيت له.

وبعدين قلت: أنا ماقولتش إن سارة قالت لي حاجة.

سكت.

عرف إنه وقع في الغلطة.

أنا قربت منه.

إنت عرفت منين إنها قالت لي حاجة؟

ما ردش.

كريم؟

ظل ساكتًا.

الموبايل بتاعي رن.

أنا وكريم بصينا للشاشة في نفس اللحظة.

سارة.

رديت.

ألو؟

مافيش رد.

سارة؟

سمعت صوت نفسها وهي بتتنفس.

وبعدين همست: نادية…

أيوه.

هو عندك؟

بصيت لكريم.

أيوه.

صمت.

وبعدين قالت: اقفلي الباب.

إيه؟

اقفلي باب الشقة بالمفتاح.

قلبي دق بسرعة.

ليه؟

صوتها كان مرتعش.

لأنه مش كريم اللي لازم تخافي منه.

بصيت لكريم.

هو كان واقف قدامي.

وشه متوتر.

قلت: سارة، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟

سمعت صوتها تخبط حاجة.

وبعدين قالت: أنا هبعت لك عنوان.

عنوان مين؟

الشخص اللي عمل الفستان.

المكالمة اتقطعت.

بصيت للموبايل.

ثواني.

وصلت رسالة.

فتحتها.

كان فيها عنوان.

لكن العنوان ماكانش Rosemont Textile Studio.

كان عنوان بيت.

في شمال شرق بورتلاند.

وتحت العنوان سطر واحد:

روحي لوحدك. وماتقوليش لكريم إني كلمتك.

رفعت عيني.

كريم كان لسه واقف قدامي.

قال: مين؟

قفلت الشاشة.

محدش.

قال: نادية.

إيه؟

إنتِ بتخبي عليا حاجة.

ضحكت بمرارة.

غريبة.

إيه؟

نفس الإحساس.

فضل ساكت.

في اللحظة دي، وصلت رسالة جديدة.

رقم مجهول.

فتحتها.

كانت صورة.

صورة قديمة.

الفستان نفسه.

لكن مش معلق في محل.

كان متلبس على بنت واقفة قدام مرآة.

البنت كانت أصغر من سارة.

شعرها طويل.

وكانت لابسة نفس الفستان.

وفي أسفل الصورة تاريخ.

فبراير، منذ اثني عشر عامًا.

وتحت التاريخ جملة:

لو نادية لبسته، يبقى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.

وقعت الموبايل من إيدي.

كريم انحنى بسرعة يلقطه.

صرخت: ماتلمسوش!

وقف.

بص لي.

إيه اللي حصل؟

خدت الموبايل منه.

وقلت: مين البنت دي؟

بص للصورة.

وفي اللحظة اللي شافها فيها…

عرفها.

أنا شفتها في عينيه.

قلت: إنت تعرفها.

لأ.

تعرفها.

نادية، أنا…

اسمها إيه؟

سكت.

قلت: اسمها إيه يا كريم؟

رفع عيني لي.

وقال كلمة واحدة: مريم.

قلبي وقع.

مين مريم؟

ما ردش.

مريم مين؟

قعد على الكرسي.

مرر إيده على وشه.

وقال: أختي.

اتجمدت.

أختك؟

هز راسه.

أختي الكبيرة.

بصيت للصورة مرة تانية.

بس أنا عمري ما سمعت عنها.

قال: عشان مريم ماتت من اتناشر سنة.

فضلت ساكتة.

اتناشر سنة.

نفس المدة اللي أنا عايشة فيها في بورتلاند.

نفس الفترة تقريبًا اللي كريم عرفني فيها.

ونفس الفستان اللي المفروض يكون هدية جديدة…

كان موجود في صورة من اتناشر سنة.

قلت: إزاي الفستان نفسه موجود في الصورة؟

ما ردش.

قربت منه.

كريم.

رفع عيني.

مين اللي دفن الفستان بعد موتها؟

غمض عينيه.

ولأول مرة…

شفت الخوف الحقيقي في وشه.

قال: الفستان ماكانش المفروض يرجع.

يرجع منين؟

سكت.

كريم!

قال بصوت مكسور: من عند الشخص اللي قتلها.

سكتت الدنيا كلها.

المطر.

التدفئة.

صوت العربيات في الشارع.

حتى صوت نفسي اختفى.

قلت: إنت قلت إن أختك ماتت.

أيوه.

إزاي؟

ما ردش.

حادثة؟

هز راسه.

لأ.

مرض؟

لأ.

يبقى إزاي؟

رفع عيني لي.

مريم ما ماتتش بسبب حادث.

سكت لحظة.

وبعدين قال: مريم ماتت لأنها اكتشفت حاجة عن عيلتنا.

قربت منه.

إيه الحاجة؟

قال: قبل ما تموت بأسبوع، كانت بتحاول تسلّم الشرطة ملف كامل.

ملف عن إيه؟

نظر إلى الفستان.

ثم إلى الورقة في إيدي.

وقال: عن عملية سرقة حصلت من شركة كبيرة.

شركة مين؟

الشركة اللي أنا بشتغل فيها دلوقتي.

اتسعت عيني.

شركة المقاولات؟

هز رأسه.

أيوه.

قلت: وإيه علاقة مريم بالفستان؟

قال: مريم كانت شغالة مع قسم المشتريات.

والفستان؟

سكت.

وبعدين قال: الفستان كان مخبّي نسخة من المستندات.

بصيت له.

مستندات إيه؟

قال: أسماء.

أسماء مين؟

اقترب مني، وخفض صوته.

أسماء ناس ماتوا بعدها.

تراجعت خطوة.

وقبل ما أقدر أقول أي كلمة…

رن جرس الباب.

مرة.

ثم مرة ثانية.

كريم بص ناحية الباب.

وأنا بصيت له.

قال: ما تفتحيش.

لكن جرس الباب رن للمرة الثالثة.

وبعدين سمعنا صوت رجل من الناحية التانية.

صوت هادئ جدًا.

نادية حمدي؟

حسيت الدم بيبرد في عروقي.

كريم قرب من الباب.

قلت له: ماتفتحش.

لكن الرجل قال: أنا جاي آخد حاجة تخص مريم.

بصيت للفستان.

ثم للورقة.

ثم لكريم.

وفي اللحظة دي…

فهمت إن الفستان ماكانش مجرد رسالة.

كان دليل.

ودليل إن الشخص اللي قتل مريم…

عرف أخيرًا إن السر رجع يظهر من جديد.

والأسوأ…

إنه عرف إن السر بقى عندي أنا.

جرس الباب رن للمرة الرابعة.

المرة دي ماكانش مجرد رنة.

كان صوت حد بيضغط على الزر وبيستنى.

وبعدين ضغط تاني.

كريم رفع إيده لي، إشارة إني مااتكلمش.

مشينا إحنا الاتنين ناحية الباب.

وقف قدام العين السحرية.

بص من خلالها.

ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، شفت وشه بيتغير بالطريقة دي.

رجع خطوة.

قلت: مين؟

ما ردش.

قربت منه.

كريم، مين؟

همس: راجل.

مين الراجل؟

مش عارف.

كداب.

كنت متأكدة.

هو عرفه.

يمكن مش عارف اسمه، لكن عرفه.

الرجل اللي بره خبط خبطتين خفيفين على الباب.

وبصوت هادي قال: أنا مش جاي أعمل مشكلة.

كريم قرب من الباب وقال: امشي.

الرجل ضحك ضحكة قصيرة.

لو كنت عايز أعمل مشكلة، ماكنتش خبطت.

وبعدين قال: أنا بس عايز الفستان.

بصيت لكريم.

قال: الفستان مش معايا.

الرجل رد: عارف.

سكتنا.

قال: هو معاها.

كان يقصدني.

حسيت بجلدي يقشعر.

قلت بصوت منخفض: هو شايفني؟

كريم ما ردش.

الرجل بره قال: نادية، اسمعيني كويس. الفستان ده مش هيفيدك. اللي جواه أخطر مما تتخيلي.

قلت: إنت مين؟

صمت.

وبعدين قال: حد كان يعرف مريم.

كريم قرب من الباب بعصبية.

ماتجيبش اسمها على لسانك.

الرجل رد: أنت آخر واحد له حق يتكلم عنها.

الجملة دي ضربت كريم في مكان حساس.

فتح القفل العلوي.

مسك المقبض.

مسكته من دراعه.

لأ.

بص لي.

نادية…

لأ.

لازم أعرف هو مين.

وإحنا نعرفه إزاي لو فتحنا له؟

الرجل بره قال: مريم كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.

تجمدت.

إيه؟

كانت عارفة إن الفستان هيرجع.

قربت من الباب.

إنت تعرف الفستان إزاي؟

قال: لأنها هي اللي طلبت مني أخبيه.

كريم شهق.

رجع خطوة.

أنا بصيت له.

إنت قلت إن الفستان اختفى بعد موتها.

قال بصوت ضعيف: كنت فاكر كده.

الرجل بره قال: مريم مااختفتش من الدنيا وهي ساكتة يا كريم.

ثم سمعنا صوت خطوات تبتعد.

جريت ناحية الشباك.

فتحت الستارة.

راجل لابس معطف رمادي كان ماشي ناحية عربية سوداء واقفة عند الرصيف.

وقبل ما يدخل العربية، وقف.

رفع عيني ناحية شباكنا.

وبص مباشرة ناحيتي.

ثم حط إيده في جيبه.

وأخرج صورة.

رفعها في الهوا.

صورة مريم.

وبعدين ركب العربية ومشي.

فضلت واقفة مكاني.

قلت: هو عارفني.

كريم قال: أيوه.

لفيت له.

وإنت كمان كنت عارف إن ده ممكن يحصل.

لأ.

كفاية.

نادية…

كفاية كذب.

لأول مرة صرخت فيه.

من أول الفستان وإنت بتقول لي حاجة وبعدها حاجة تانية!

دموعي نزلت من غير ما أحس.

قلت لي إنك شوفته في دنفر وافتكرتني.

ده حصل فعلًا.

وبعدين طلعت الصورة من اتناشر سنة.

أنا ماكنتش أعرف إنه نفس الفستان.

وكنت تعرف مريم.

طبعًا كانت أختي.

وكنت تعرف إنها كانت بتحاول تكشف حاجة.

أيوه.

وكنت تعرف إن الفستان مرتبط بيها.

سكت.

قلت: أيوه ولا لأ؟

ما ردش.

كريم!

قال أخيرًا: أيوه.

حسيت إني فقدت القدرة على الكلام.

قعدت على طرف الكنبة.

من إمتى؟

قعد قدامي.

من أول يوم اشتريت فيه الفستان.

رفعت عيني.

يعني كنت عارف؟

عارف إنه نفس الفستان.

وعارف إنه كان بتاع مريم؟

هز راسه.

أيوه.

وعارف إن فيه ورقة؟

وبص مباشرة ناحيتي.

ثم حط إيده في جيبه.

وأخرج صورة.

رفعها في الهوا.

صورة مريم.

وبعدين ركب العربية ومشي.

فضلت واقفة مكاني.

قلت: هو عارفني.

كريم قال: أيوه.

لفيت له.

وإنت كمان كنت عارف إن ده ممكن يحصل.

لأ.

كفاية.

نادية…

كفاية كذب.

لأول مرة صرخت فيه.

من أول الفستان وإنت بتقول لي حاجة وبعدها حاجة تانية!

دموعي نزلت من غير ما أحس.

قلت لي إنك شوفته في دنفر وافتكرتني.

ده حصل فعلًا.

وبعدين طلعت الصورة من اتناشر سنة.

أنا ماكنتش أعرف إنه نفس الفستان.

وكنت تعرف مريم.

طبعًا كانت أختي.

وكنت تعرف إنها كانت بتحاول تكشف حاجة.

أيوه.

وكنت تعرف إن الفستان مرتبط بيها.

سكت.

قلت: أيوه ولا لأ؟

ما ردش.

كريم!

قال أخيرًا: أيوه.

حسيت إني فقدت القدرة على الكلام.

قعدت على طرف الكنبة.

من إمتى؟

قعد قدامي.

من أول يوم اشتريت فيه الفستان.

رفعت عيني.

يعني كنت عارف؟

عارف إنه نفس الفستان.

وعارف إنه كان بتاع مريم؟

هز راسه.

أيوه.

وعارف إن فيه ورقة؟

هنا سكت.

وقفت.

كريم…

قال بسرعة: لأ.

لأ إيه؟

أنا ماكنتش أعرف الورقة.

بس كنت عارف إن فيه حاجة مخبية جواه؟

هز رأسه.

كنت عارف إن مريم كانت بتتكلم عن فستان.

قلت: وإيه علاقة ده بيا؟

ما ردش.

بصيت له.

ليه اخترتني أنا؟

قال: أنا ما اخترتكيش.

يبقى مين؟

سكت.

ثم قال: مريم.

الكلمة وقعت بيننا كأن حد رماها.

مريم اختارتك؟

قبل ما تموت.

إزاي؟

كريم فتح درج مكتبه.

طلع ملف بني قديم.

حطه قدامي.

على الغلاف كان مكتوب:

M S.

فتح الملف.

أول ورقة كانت صورة.

لي أنا.

قديمة.

اتصورت وأنا خارجة من مبنى في وسط بورتلاند.

تحتها تاريخ.

قبل ما أتجوز كريم بثلاث شهور.

قلت: دي صورتي.

عارف.

مين صورني؟

قال: مريم.

بصيت له.

بس مريم كانت ميتة وقتها.

كريم سكت.

وبعدين قال: الصورة اتاخدت قبل موتها.

قلبت الصفحة.

كانت فيه ورقة تانية.

مكتوب فيها:

نادية حمدي الشخص الوحيد الذي يمكن الوثوق به.

ضحكت من شدة الصدمة.

أنا؟

أيوه.

ليه؟

قال: لأن مريم كانت بتراقب الناس اللي حواليها.

وأنا كنت واحدة منهم؟

من غير ما تعرفي.

قلبت الصفحة.

كان فيه تقرير.

ثم إيصالات.

ثم أسماء شركات.

ثم أرقام حسابات.

وفجأة لقيت اسم أعرفه.

شركة حمدي للمقاولات والاستشارات.

بصيت لكريم.

دي شركتك؟

الشركة اللي أنا شغال فيها.

مريم كانت بتشتغل فيها؟

أيوه.

وإيه اللي اكتشفته؟

كريم قفل الملف.

قلت: افتحه.

نادية…

افتحه.

فتح الملف.

قال: كانت بتكتشف إن فيه مواد بناء بتتورد لمشاريع معينة بأسعار مضاعفة.

يعني فساد مالي؟

أكتر من كده.

إيه؟

بعض المواد كانت بتتسجل إنها وصلت للموقع، وهي ماوصلتش أصلًا.

فلوس بتتسرق؟

ملايين.

بصيت للأوراق.

ومين كان بيعمل ده؟

قال: مريم كانت جمعت أسماء.

أسماء مين؟

مديرين، محاسبين، موردين.

واسم مين فيهم؟

كريم سكت.

قلبت آخر صفحة.

كان فيه اسم واحد متظلل بالقلم الأحمر.

جمال حمدي.

رفعت عيني.

مين جمال؟

كريم بلع ريقه.

عمي.

عمك؟

هز رأسه.

أخو أبويا.

قلت: هو لسه عايش؟

أيوه.

وبيشتغل في الشركة؟

هو رئيس مجلس الإدارة.

سكت.

بدأت أفهم.

مريم اكتشفت حاجة.

جمعت أدلة.

وبعدين ماتت.

لكن السؤال الأكبر كان:

ليه أنا؟

كريم قال: مريم كانت بتقول إن جمال مش لوحده.

مين معاه؟

ماعرفناش.

ماعرفناش؟

أنا وأبويا حاولنا نفهم، لكن بعد موت مريم، الملف اختفى.

والنهارده ظهر.

أيوه.

لمست الورقة اللي في إيدي.

عشان أنا لبست الفستان.

كريم هز رأسه.

لأ.

إيه؟

قال: لأنك لقيتي الورقة.

بصيت له.

إيه الفرق؟

الفستان كان مجرد وسيلة.

وسيلة لإيه؟

لإرجاع الملف.

سكت.

أي ملف؟

كريم بص لي.

الملف الأصلي.

فتحت عيني.

الملف اللي مريم جمعته؟

أيوه.

بس إحنا ماشفناش ملف.

قال: لأن الورقة اللي لقيتيها مش هي الدليل.

أمال إيه؟

أشار للفستان.

الدليل موجود في الفستان نفسه.

وقفت.

فين؟

كريم قرب منه.

بدأ يفحص الياقة.

مريم كانت بتخبي الحاجات في أماكن محدش يفكر يدور فيها.

مرر إيده على الخياطة.

ثم توقف.

هنا.

قالها بهدوء.

أمسكت الفستان.

إيه؟

حسيتي بالسمك ده؟

لمست المكان.

فعلاً.

جزء صغير جدًا كان أسمك من باقي الياقة.

قلت: ده إيه؟

كريم جاب مقص صغير.

بدأ يفك غرزة.

غرزة.

ثم أخرى.

وبعدين وقع شيء صغير على الأرض.

قطعة بلاستيك سوداء.

التقطتها.

كانت بحجم ظفر الإبهام.

دي إيه؟

كريم قال: كارت ذاكرة.

حسيت بدقات قلبي في وداني.

مريم حطته جوه الفستان؟

أيوه.

من اتناشر سنة؟

أيوه.

ولسه شغال؟

قال: لو اتخزن صح… ممكن.

حطيناه في اللابتوب.

الشاشة أظهرت ملفات.

واحد.

اثنين.

سبعة.

أربعة عشر.

ثم ظهر ملف باسم:

FOR NADA.

تجمدت.

NADA؟

كريم بص لي.

نادية.

ضغطت على الملف.

ظهر فيديو.

الصورة كانت قديمة ومشوشة.

ثم ظهرت امرأة.

مريم.

كانت قاعدة قدام الكاميرا.

شعرها مربوط.

وعينيها حمرا كأنها كانت بتعيط.

نظرت مباشرة للكاميرا.

وقالت: لو الفيديو ده ظهر، يبقى أنا ماقدرتش أوصل للحقيقة بنفسي.

كريم حط إيده على فمه.

مريم كملت: كريم، لو أنت اللي بتشوف الفيديو، يبقى لازم تكون فهمت أخيرًا ليه طلبت منك ما تديش الفستان لأي حد إلا لنادية.

بصيت لكريم.

هو ماكانش بيتنفس تقريبًا.

مريم قالت: نادية مش جزء من عيلتنا، وعشان كده هي الوحيدة اللي ممكن تشوف الحقيقة من غير ما تخاف من الاسم.

سكتت لحظة.

ثم قالت: أنا عارفة إن كريم هيكرهني عشان عملت كده.

كريم همس: مريم…

لكن الفيديو كمل.

بس أنا مش بطلب منه يحمي نادية.

توقفت.

ثم قالت: أنا بطلب من نادية تحمي نفسها.

حسيت بقشعريرة في جسمي.

مريم قربت من الكاميرا.

لو وصلتي للرسالة دي، ماتثقيش في أي شخص يقول لك إن موتي كان حادث.

بصيت لكريم.

ثم رجعت للفيديو.

مريم قالت: لأنه لم يكن حادثًا.

الصورة اهتزت.

ثم ظهرت خلفها نافذة.

وفي انعكاس الزجاج، كان فيه رجل واقف في الخلف.

مريم لم تكن وحدها.

لكن قبل ما نقدر نشوف وجهه، الفيديو توقف.

الشاشة اسودت.

ثم ظهر سطر أبيض:

FILE 2 OF 7

كريم قال: افتحي التاني.

ضغطت.

ظهر تسجيل صوتي.

صوت مريم.

الشخص اللي بيدير كل حاجة مش جمال.

كريم قرب من اللابتوب.

مريم كملت: جمال مجرد واجهة.

توقفت.

ثم قالت: الشخص الحقيقي موجود داخل العيلة.

بصيت لكريم.

هو بص لي.

الصوت كمل: والشخص ده يعرف نادية.

اتجمدت.

الصوت توقف.

ثم ظهر اسم ملف جديد:

WHO KILLED MARY?

مددت إيدي ناحية الماوس.

لكن قبل ما أفتحه…

سمعنا صوت زجاج بيتكسر.

جريت ناحية الشباك.

سيارة سوداء كانت واقفة تحت العمارة.

وفي اللحظة نفسها، سارة اتصلت.

رديت بسرعة.

سارة!

صوتها كان مخنوق.

نادية، اسمعيني كويس.

إنتِ فين؟

أنا في الطريق ليكي.

إيه اللي حصل؟

قالت: أنا عرفت مين كان بره شقتك.

سكت.

مين؟

صوتها ارتجف.

جمال.

بصيت لكريم.

وجهه اتغير.

سارة كملت: لكن جمال مش أخطر واحد.

ليه؟

قالت: لأنه مش اللي قتل مريم.

أمال مين؟

سمعت صوتها تاخد نفس عميق.

ثم قالت: الشخص اللي قتل مريم…

توقفت.

كان موجود في بيتكم يوم ما كريم جاب لك الفستان.

قلبي توقف.

سارة، مين؟

لكن المكالمة اتقطعت.

وفي نفس اللحظة…

وصلت رسالة جديدة على موبايلي.

من نفس الرقم المجهول.

فتحتها.

كانت صورة جديدة.

صورة التقطت من داخل شقتنا.

أنا وكريم واقفين قدام اللابتوب.

الصورة اتصورت من مكان قريب جدًا.

وتحتها رسالة واحدة:

لسه فاكرين إنكم لوحدكم؟

رفعت عيني ببطء.

الشقة كانت ساكتة.

الباب مقفول.

الشبابيك مقفولة.

لكن فجأة…

سمعت صوت خفيف جدًا.

من ناحية أوضة الضيوف.

صوت شماعة بتتحرك.

ثم صوت حرير بيحتك بالخشب.

كريم وقف.

بص لي.

وأنا همست: الفستان…

مشينا إحنا الاتنين ناحية الأوضة.

الباب كان مفتوح.

الفستان ماكانش على الشماعة.

الشماعة نفسها كانت بتتحرك.

والفستان…

كان على الأرض.

لكن تحته…

كان فيه شيء آخر.

ظرف بني صغير.

مكتوب عليه بخط يد واضح:

إلى نادية فقط.

مديت إيدي.

لكن كريم مسكها.

استني.

بصيت له.

قال: يمكن يكون فخ.

قلت: بعد كل اللي حصل؟

وسحبت إيدي.

فتحت الظرف.

جواه مفتاح صغير.

وصورة.

الصورة كانت لمريم.

لكن المرة دي ماكانتش لوحدها.

كانت واقفة جنب رجل.

والرجل كان كريم.

وفي ظهر الصورة، جملة واحدة:

الصورة دي اتصورت قبل موتي بيوم.

بصيت لكريم.

إنت قلت إنك ماشفتيش مريم قبل موتها بأسبوع.

وشه أصبح أبيض.

قال: أنا…

قلت: إنت كنت آخر شخص شافها.

سكت.

واللحظة دي…

لأول مرة، ماعرفتش إذا كان كريم بيحاول يحميني…

ولا بيحاول يحميني من الحقيقة.

والأخطر من ده كله…

إن المفتاح اللي كان في إيدي ماكانش مفتاح بيت.

كان مفتاح لخزنة.

والرقم المحفور عليه كان:

نفس الرقم اللي كان مكتوب في آخر صفحة من ملف مريم.

وتحت الرقم كلمة واحدة:

المطار.

بصيت للمفتاح اللي في إيدي.

كلمة المطار كانت لسه قدام عيني في آخر صفحة من ملف مريم.

رفعت عيني لكريم.

إحنا رايحين المطار.

هز رأسه.

أيوه.

والخزنة؟

غالبًا في خزائن الأمانات القديمة.

وإنت عارف مكانها؟

سكت.

كريم؟

قال: مريم قالت لي مرة إن لو حصل لها حاجة، ما أدورش على الحقيقة في بيتها.

ليه؟

قالت إن أول مكان هيدوروا فيه هو بيتها.

بصيت للمفتاح.

يبقى هي كانت عارفة إنهم هيفتشوا.

أيوه.

لبست معطفي.

كريم حاول يمنعني.

نادية، استني.

لأ.

ممكن يكون فخ.

بصيت له.

وكل اللي حصل من ساعة ما الفستان وصل كان إيه؟

ما ردش.

خرجنا.

لكن قبل ما نقفل الباب، رجعت وبصيت للشقة.

الفستان كان لسه واقع على الأرض.

حسيت بحاجة غريبة.

مش خوف.

إحساس إن مريم أخيرًا قربت من إنها تقول لي كل حاجة.

وصلنا المطار بعد حوالي أربعين دقيقة.

المكان كان مزدحم.

ناس داخلة وناس خارجة، شنط بتتحرك، أصوات إعلانات الرحلات، وريحة القهوة اللي دايمًا بتملأ المطارات.

مشينا ناحية منطقة الخزائن القديمة.

كريم كان ماشي قدامي.

وفجأة وقف.

قال: هنا.

كان فيه صف طويل من خزائن معدنية صغيرة.

دخل المفتاح.

الرقم كان 217.

لف المفتاح.

سمعنا صوت القفل وهو بيفتح.

الخزنة كانت فاضية تقريبًا.

مافيش غير صندوق معدني صغير.

طلعناه.

فتحت الصندوق.

جواه ثلاثة أشياء.

ظرف أبيض.

فلاش ميموري.

وصورة قديمة.

الصورة كانت لمريم وسارة وكريم وهم أطفال.

قلبت الصورة.

كان مكتوب:

العيلة اللي بتخبي الحقيقة، بتخلي أصغر واحد فيها يدفع تمنها.

بصيت لكريم.

إيه معنى الكلام ده؟

قبل ما يرد، سمعنا صوت سارة.

معناه إن مريم كانت بتحاول تحميني.

لفينا.

سارة كانت واقفة على بعد خطوات.

وجهها شاحب.

وعينيها حمرا.

جريت عليها.

إنتِ كويسة؟

هزت رأسها.

أيوه.

بعدين بصت للصندوق.

لقيتوه.

قلت: إنتِ كنتِ عارفة؟

قالت: جزء من الحقيقة.

كريم قرب منها.

سارة، قولي كل حاجة.

بصت له.

إنت عارف إن مريم ما ماتتش في حادث.

عارف.

بس إنت مش عارف مين تسبب في موتها.

سكت.

قالت: أنا عارفة.

فتح كريم عينيه.

مين؟

سارة بصت لي.

ثم قالت: بابا.

اتجمد كريم.

أبونا؟

هزت رأسها.

مش هو اللي قتلها بإيده.

سكتت.

لكنه كان السبب.

فتحت الظرف.

جواه ورقة طويلة.

بدأت سارة تقرأ.

مريم اكتشفت التلاعب في حسابات الشركة. كانت ناوية تسلم كل المستندات للشرطة.

بصيت لكريم.

وعمك جمال؟

قالت: جمال كان جزء من العملية.

قلبت الورقة.

بس مش هو اللي بدأها.

سارة كملت: أبوكم عرف إن مريم هتبلغ. حاول يمنعها.

كريم قال: مستحيل.

سارة بصت له.

أبوك كان مديون.

سكت.

جمال أقنعه إنهم يقدروا يغطوا الخسائر، وإن مريم لو تكلمت، العيلة كلها هتنهار.

قلت: ومريم؟

رفضت.

سارة مسحت دمعة.

وفي الليلة الأخيرة، حصلت خناقة كبيرة بينها وبين أبوكم.

وبعدين؟

قالت: خرجت من البيت وهي شايلة نسخة من المستندات.

كريم قال: وعربية؟

هزت رأسها.

جمال لحقها.

قلت: هو اللي قتلها؟

لأ.

سكتت.

مريم كانت سايقة وهي منهارة. حصلت لها أزمة في الطريق، والعربية انحرفت.

كريم قال: يبقى حادث.

سارة هزت رأسها.

مش بالضبط.

فتحت الورقة.

لأن العربية كانت متعطلة قبل ما تتحرك.

نظرت لكريم.

حد لعب في الفرامل.

ساد الصمت.

قلت: جمال؟

سارة هزت رأسها.

ده اللي كلنا افتكرناه.

ثم أضافت: لكن مريم كانت عارفة إن جمال مش الوحيد.

فتحت الفلاش ميموري.

كان عليها ملفات فيديو.

شغلنا أول ملف.

ظهر تسجيل من كاميرا مراقبة قديمة.

مريم كانت خارجة من مبنى الشركة.

وبعدها ظهر جمال.

ثم ظهر شخص ثالث.

وقفت الصورة.

كريم قرب من الشاشة.

أنا كمان قربت.

الرجل الثالث كان والد كريم.

قلت: أبوك؟

كريم ما ردش.

الفيديو كمل.

الرجلين اتكلموا مع مريم.

مريم كانت غاضبة.

ثم ركبت سيارتها.

جمال دخل عربيته.

والد كريم وقف مكانه.

وبعد دقائق، ظهر رجل آخر قرب سيارة مريم.

وقف عند العجلة.

ثم غادر.

الصورة ماكنتش واضحة.

لكن سارة قالت: ده الموظف اللي كان مسؤول عن صيانة عربيات الشركة.

قلبنا باقي الملفات.

في ملف كان فيه تسجيل صوتي.

صوت مريم: أنا عارفة إن حد لعب في عربيتي.

صمت.

ثم صوت رجل: لو سلمتي الملفات، كلنا هنروح السجن.

مريم: أنا مش هخاف.

الرجل: حتى لو أخوك؟

مريم سكتت.

وبعدين قالت: كريم مالوش علاقة.

وقتها كريم غمض عينيه.

الصوت كمل: لو اتكلمتي، أخوكي هيتحمل اللي عملته العيلة كلها.

مريم قالت: أنا هحميه.

وانتهى التسجيل.

فضلنا ساكتين.

قلت: كانت بتحاول تحمي كريم.

سارة هزت رأسها.

أيوه.

بصيت لكريم.

عشان كده الفستان؟

قال: مريم كانت عارفة إن فيه مستندات أخيرة ماقدرتش تسلمها.

سارة قالت: قبل موتها بيوم، ادت الفستان لخياطة اسمها روز.

Rosemont؟

هزت رأسها.

أيوه.

فهمت.

مريم هي اللي خلت الفستان يتخيط هناك.

سارة قالت: وطلبت منهم يعملوا جيب سري داخل الياقة.

بصيت للفستان في ذهني.

والورقة؟

قالت: مريم كتبتها قبل موتها.

ليه باسمي؟

سارة ابتسمت بحزن.

لأنها كانت تعرفك.

قلت: بس أنا ماكنتش أعرفها.

هي كانت تعرفك.

سكتت.

كانت بتشوفك في المكتبة اللي جنب الشركة.

افتكرت.

كنت بروح المكتبة دي فعلًا.

من سنين.

سارة كملت: قالت إنك مرة لقيتي محفظة واحدة من الموظفين وفضلتي تدوري على صاحبها لحد ما رجعتيها.

بصيت لكريم.

هي بنت حكمها عليا من موقف صغير؟

قالت سارة: مريم كانت بتقول إن الناس بتبان في المواقف الصغيرة.

سكتنا.

ثم قالت: وعشان كده اختارتك.

قلت: بس الفستان وصل لي بعد اتناشر سنة.

لأن روز احتفظت بيه.

ليه؟

مريم طلبت منها ماتسلمهش غير لو كريم رجع يسأل عنه.

بصيت لكريم.

وإنت رجعت؟

قال: من شهر.

ليه؟

عشان كنت بحاول أعرف الحقيقة.

سارة قالت: كريم كان بيدور على الملف من غير ما يقول لك.

بصيت له.

ليه ماقلتليش؟

قال: عشان كنت خايف.

مني؟

عليكي.

سكت.

كنت خايف لو عرفتي، تدخلي في الموضوع.

قلت: لكنك في الآخر جبت الفستان ليا.

هز رأسه.

روز قالت إن مريم كتبت إن الفستان لازم يوصل لنادية.

عشان أفتح الكارت؟

عشان تلاقي الرسالة.

بصيت لسارة.

وإنتِ؟

قالت: أنا عرفت الفستان أول ما شوفته.

ليه انهرتِ؟

خفضت عينيها.

لأن مريم كانت لابسته في آخر يوم شفتها فيه.

سكتت.

ولما شفت الحروف، افتكرت كل حاجة.

ثم قالت: أنا ماكنتش خايفة من الفستان.

أمال؟

كنت خايفة إن اللي قتلها يعرف إن الفستان رجع.

وفجأة فهمت.

الرجل اللي جاء إلى باب شقتنا.

الرسالة.

الصورة.

كل ده.

قلت: جمال.

سارة هزت رأسها.

أيوه.

هو اللي كان بيحاول ياخد الفستان.

كريم قال: لكن لو الملفات معانا، خلاص.

سارة بصت له.

مش خلاص.

وأشارت إلى الشاشة.

كان آخر ملف لم يُفتح.

اسمه:

CONFESSION.

فتحناه.

ظهر رجل كبير في السن.

كان والد كريم.

كان التسجيل واضحًا إنه اتصور قبل سنوات.

قال: لو وصلت الرسالة دي لأولادي، يبقى أنا ماقدرتش أصلح اللي عملته.

كريم شد على إيد الكرسي.

والده كمل: أنا عرفت إن جمال كان بيسرق من الشركة. وسكت.

توقف.

لما مريم عرفت، حاولت أمنعها.

دموع كريم بدأت تنزل.

لكني ماطلبتش من جمال يقتلها.

صمت طويل.

طلبت منه يخوفها.

ثم قال: وأنا عارف إن ده مش عذر.

أخذ نفسًا.

الموظف اللي لعب في فرامل عربيتها كان بيشتغل بأوامري.

وضعت يدي على فمي.

أنا ماكنت أعرف إنهم هيعملوا كده.

ثم ظهر جمال في جزء آخر من التسجيل.

والد كريم قال: جمال هددني بعد الحادث.

ثم أضاف: وقال إن لو تكلمت، هيكشف كل حاجة ويخلي كريم يتحملها.

التسجيل انتهى.

كريم كان منهارًا.

مش بسبب نفسه.

بسبب أبوه.

سارة كانت بتبكي.

أما أنا…

فكنت حاسة إن آخر قطعة في اللغز وصلت مكانها.

اتصلنا بالشرطة.

قدمنا الفلاش ميموري.

قدمنا الأوراق.

والصورة.

والرسالة.

وبعد أيام، بدأت التحقيقات.

جمال اتقبض عليه بتهم مالية، وتم فتح التحقيق من جديد في وفاة مريم.

الموظف المسؤول عن صيانة السيارات اعترف بعد مواجهة الأدلة.

أما والد كريم، فاعترف بدوره.

لم يحاول كريم يحميه.

ولا سارة.

الحقيقة كانت أقسى من أي سر.

لكنها أخيرًا أصبحت حقيقة.

بعد عدة شهور، اتثبت إن مريم لم تكن ضحية حادث عشوائي.

كانت ضحية سلسلة من القرارات الجبانة، بدأت بالسكوت، وانتهت بجريمة.

أما كريم…

فما سابنيش.

ولا طلب مني أنسى.

ولا حاول يبرر.

في ليلة هادئة، كنا قاعدين في المطبخ.

نفس المكان اللي قعدت فيه يوم لقيت الورقة.

حط قدامي كوب قهوة.

وقال: أنا عارف إنك ممكن ما تثقيش فيا زي الأول.

بصيت له.

مش هكدب عليك.

سكت.

الثقة مش بترجع بكلمتين.

هز رأسه.

عارف.

قلت: بس الحقيقة اللي عرفناها تستاهل إنها تتقال.

ابتسم بحزن.

مريم كانت هتفرح.

بصيت للفستان.

كان متعلّق في مكانه.

لكن المرة دي ماكانش شكله مخيف.

كان مجرد فستان.

قطعة حرير زرقاء.

قطعة حملت سرًا لمدة اتناشر سنة.

قلت: هنحتفظ بيه؟

كريم هز رأسه.

لو عايزة.

بصيت له.

لأ.

نزعت الفستان من الشماعة.

حطيته في صندوق جديد.

وبعدين كتبت على الصندوق:

مريم حمدي، الحقيقة لا تموت.

بعد أسبوع، سلمناه لعائلة مريم.

لكن قبل ما أسلمه، فتحت الياقة للمرة الأخيرة.

كانت الخياطة القديمة لسه موجودة.

الحروف:

م. س.

لمستها بأطراف صوابعي.

وفهمت أخيرًا معناها.

ماكانتش اسم رجل.

ولا اسم عشيق.

ولا سر عن زواج.

كانت اختصارًا كتبته مريم لنفسها:

مريم سليم.

اسمها قبل زواجها.

هي اللي كانت مخفية في الفستان.

هي اللي كانت بتحاول توصل صوتها.

وهي اللي اختارتني أنا عشان أسمعه.

أما الورقة…

فكانت آخر رسالة منها.

إلى نادية حمدي… لو وصل الفستان إليها، يبقى كريم أخيرًا نفذ وعده.

الوعد كان بسيطًا.

إنه لو عرف الحقيقة يومًا…

مايسمحش للخوف يدفنها مرة تانية.

بعد سنة، في أول فبراير، نزل المطر على بورتلاند بنفس طريقته القديمة.

رذاذ خفيف.

شارع لامع.

ولمبة شارع منورة رغم الصبح.

وقفت عند الشباك.

كان عند الباب شمسيتين.

واحدة ليا.

والتانية لأي حد ينسى شمسية.

ابتسمت.

لأن بعض الأشياء ما بتتغيرش.

لكنني أنا اتغيرت.

زمان، كنت أعتقد إن أسوأ شيء ممكن يحصل للإنسان هو إنه يكتشف إن شخصًا وثق فيه أخفى عنه حقيقة.

دلوقتي عرفت إن الأسوأ هو إن الحقيقة نفسها تفضل مدفونة لمجرد إن الكل خايف منها.

مريم ماقدرتش تتكلم.

لكنها تركت كلامها في مكان ماحدش كان هيدور فيه.

داخل فستان حرير.

وكان المفروض يكون هدية.

لكنه في الحقيقة…

كان آخر رسالة كتبتها امرأة ماتت وهي تحاول تقول الحقيقة.

وأحيانًا…

الرسالة بتاخد اتناشر سنة عشان توصل.

لكن لما توصل أخيرًا…

مافيش حد يقدر يرجعها تاني للصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى