
شوفي يا جيهان.. من أول يوم، لازم الكل يعملك حساب.. بلاش تضيعي حياتك في خدمة أهل جوزك. حماتك ليها بنات يخدموها! لكن لو من أول مرة جيتي على نفسك خلاص.. الكل هيدوس عليكى زي مرات أخوكي أشجان كده!
خليكي زي حنان مرات اخوكى التانى محدش يقدر عليها، وجوزك ده لازم يبقى زي الخاتم في صباعك، عشان هو اللي هيقف لأهله لو زغلوكي.
اتسمرت أشجان مكانها. ومابقتش مصدقه ودانها. الصدمة شلت حركتها.. «زي حنان؟!» دماغها لفّت في ثواني.
افتكرت حنان مرات أخ جوزها التاني.. حنان اللي بتنزل الضهر، تقعد حاطة رجل على رجل، تطلب القهوة، وما بتمدش إيدها في قشرة بصلة! حنان اللي لو حد قالها كلمة مش عاجباها تقيم الدنيا وما تقعدهاش، وتطلع شقتها وتقفل على نفسها بالأيام. أشجان كانت دايماً شايفاهة المفترية، المقصرة، اللي أسلوبها وحش!
وكانت شايفه نفسها هي «بنت الأصول» اللي شايلة البيت على كتافها من سبعة الصبح.. بتطبخ، وتنضف، وتمسح، وتستحمل العزائم والطلبات، وتقول «حاضر من عينيا» عشان تشتري رضاهم، وفاكرة إن الخدمة والتعب دول هما اللي هيعملوا لها قيمة وهيشيلوهالها جمائل! طلعت في الآخر في نظرهم.. «خدامة»؟
واللي ما بتعملش حاجة، ومحدش قادر عليها، هي اللي ليها شأن وقيمة ومثال يتقال لابنتها عشان تبقى زيها؟! حسّت كأن حد ضربها على دماغها، أو كأن أربع سنين من عمرها وصحتها وكرامتها اترموا في الزبالة قدام عينيها.
الإحساس بالظلم كان حامي زي النار في صدرها، بس الصدمة كانت أكبر من أي دموع. لما سمعت حماتها وهى بتقول:
— تعرفى إن بعد موت اخوكى… معتز هيموت على حنان مراته وعايز يتجوزها وهى اللى بتتقل عليه بتقوله انا مش عايزه اشيل مسئولية حد بيقولها انتى هتبقى هانم ومحدش هيدوسلك على طرف!
انقبض قلب أشجان وكأن حد بيعصره بأيديه. وقفت ورا الباب، صوابعها متشنجة على الحيطة، ونفسها المكتوم طالع يحـرق في زورها. كل كلمة كانت بتنزل على دماغها زي المرزبة، تهد كل حاجة بناها الصبر جواتها.
استمرت حماتها في الكلام بنبرة فيها مكر وحسرة في نفس الوقت، وهي بصة لجيهان اللي كانت قاعدة تسمع بذهول:
— تصدقى فى مره سمعته وهو بيقولهـت اطلـق اشجان ونتجوز! تصدقى السوسة قالت له إيه؟.. قالت له وهي بتتمسكن وتبتسم: ‘ولما تطلـقها.. مين يخدم أمك؟’.. عارفة قال لها إيه بكل بجاحة؟ قال لها: ‘ده أنا أخليها تخدمك إنتي شخصياً! إنتي تأمري بس وتوافقي.. أنا محدش يملى عيني ولا قلبي غيرك!’. وافقى انتى وانا اجبلك اللى تخدمك وهتبقى الكل فى الكل حتى مصروف البيت كله هيبقى معاكى انتى.
الكلمات نزلت على ودان أشجان زي ما تكون مية نار. أربع سنين.. أربع سنين من صحيان الفجر، ودعك السجاد، والوقفة بالساعات قدام البوتاجاز في عز الحر، وبلع الإهانة بابتسامة «حاضر يا أمي عشان خاطر معتز». كل ده يطلع في الآخر ملوش أي قيمة؟ يطلع إنها مجرد خدامة مضمونة، يساوموا بيها عشان يرضوا واحدة تانية حاطة رجل على رجل وما بتمدش إيدها في قشرة بصلة؟!
في اللحظة دي، ولا دمعة واحدة نزلت من عين أشجان. الدموع كانت قليلة أوي على الوجع ده. حست ببرودة غريبة بتسري في أطرافها، وكأن الطيبة والجدعنة اللي عاشت بيهم ماتو في ثانية، وحل محلهم جمر مولع في قلبها.
خرجت من البيت من غير ما حد يحس وقابلت حنان قدامها ولأول مره تلاحظ نظرات حنان وتريقتها اللى كانت بتاخدها بحسن ونيه وهى بتقول منها:
— بقولك يا اشجان انا عايزه صنيه كيكه بالبرتقال وشويه قراقيش لحسن اللى كنتى عملاهم خلصوا وانا بحب اصحى افطر حاجه خفيفه وقتها.
بصتلها وانا ساكته وكل اللى فات بيلف فى دماغى وافتكرت مواقف ازاى مكنتش بشك قبل كده بصلتها وقولت بنبرة هادية أوي.. هدوء يخوف، أهدى من المية اللي تحت التلج:
— من عينيا يا حنان.. من عينيا يا حبيبتي، عيوني ليكي.
حنان اتفاجئت من طريقة كلامي وسكوتي، بس كعادتها ما ركزتِش، مشيت وسابتني وهي رافعة راسها ومطمنة إن الشغالة المطيعة هتنزل على ملا وشها تتفنن لها في الكيكة والقراقيش. أنا بقى واقفة مكاني، حاسة إن الرؤية وضحت فجأة، الغشاوة اللي كانت على عيني أربع سنين اتزاحت بالكامل.
أربع سنين وأنا فاكرة إن الأدب وبوس الأيادي بيعمل قيمة، أتاري القيمة في الزمن ده ما بتاخدهاش غير اللي بتدوس على الكل بقلب بارد!
رجعت شقتي.. ما بكيش، ولا صرخت، ولا كسرت حاجة. دخلت وقفت قدام مراية الصالة، بصيت لوشي اللي شحب من التعب والوقفة في المطابخ، لإيديا اللي خشنت من المساحيق والدعك، ولعيني اللي كان فيها طيبة أهلي اللي ربوني عليها. مسحت على وشي وقلت لنفسي بصوت واطي:
«القديمة ماتت يا أشجان.. من النهار ده، حق الأربع سنين دول هيرجع تالت ومتلت، وبنفس أسلوبهم.»
نزلت بالليل، كانت العيلة كلها ملمومة تحت، معتز جوزي قاعد جنب أمه، وحنان قاعدة حاطة رجل على رجل بتتصفح في تليفونها، والحاجة أمه عمالة تشتكي من وجع ضهرها.
أول ما دخلت، حماتي بصت لي بطلب جاهز:
«تعالي يا أشجان، شوفي الشاي واعملي حساب عمك وإخوات جوزك، وتلات كوبايات قهوة مضبوط لحنان ومعتز وجيهان.»
معتز بصلـني بثقة، فاكرني هجري أقول «حاضر يا أمي» زي كل يوم. أنا وقفت في نص الصالة، حطيت إيدي في جنابي، وبصيت لحماتي بعين ثابتة ما فيهاش نقطة ضعف واحدة، وابتسمت ابتسامة باردة وقلت:




