
يوم التلات، رجعت البيت واكتشفت إن جزء من حيطة الصالة، طوله متر وعشرين سنتي، كان متشال بالكامل. الكنبة كانت متزحلقة لقدّام، والسجادة كلها كانت مغطاة بقطع الجبس، وجوزي كريم كان واقف جنب الفتحة وفي إيده كتر.
قلت له: — إيه اللي حصل؟
رد: — الموضوع شكله أسوأ من حقيقته.
ودي عمرها ما بتكون علامة كويسة.
كريم قال إن واحد من مقابس الكهرباء كان مفكوك، فشال الغطا بتاعه علشان يبص على الأسلاك. ولما لوح الجبس اتشرخ شوية، قرر يفتح الحيطة أكتر علشان يشوف إيه اللي بيحصل.
قلت له: — يعني كنت محتاج تشيل متر وعشرين سنتي من الحيطة علشان فيشة كهربا؟
قال: — اتحمست زيادة عن اللزوم. هصلحها.
في الأول، كنت تقريبًا مصدقاه. لكن بعد كده بصيت حواليا. الشنيور، والعتلة، وميزان التسوية، وشريط القياس بتوعه كانوا مترتبين بعناية على الأرض. الجبس ماكانش واقع وخلاص. أغلبه كان متقطع بعناية ومتكوّم جنب المدفأة.
دي ماكانتش تصليحة حصلت بالصدفة. كان واضح إنها حاجة متخطط لها.
سألته: — إنت ليه ما اتصلتش بيا قبل ما تعمل كل ده؟
كريم تنهد وقال: — علشان كنت عارف إنك هتعملي مشكلة.
قلت له: — أنا خرجت للشغل وكان عندنا حيطة يا كريم. رجعت البيت ملقتش الحيطة.
قال لي إنه تعبان من الخناق ووعدني إنه هيشرح لي كل حاجة بعد العشا.
في اللحظة دي، بنتنا مادي، اللي عندها 12 سنة، نزلت السلم. في العادي، كانت هتسألني عشرين سؤال عن الفتحة الضخمة اللي في بيتنا. لكن بدل كده، بصت لها بسرعة من غير ما تقول حاجة تقريبًا.
سألتها: — إنتِ كنتِ في البيت لما بابا عمل ده؟
قبل ما تقدر ترد، كريم قال: — كانت فوق تقريبًا طول بعد الضهر.
مادي بصت له. وقالت: — أيوه.
وبعدين مسكت علبة زبادي وطلعت تجري على فوق.
وقت العشا، كانت ساكتة تقريبًا ومش بتتكلم. وكل مرة كنت أجيب سيرة الحيطة، كانت تبص لكريم. وهو كان بيغيّر الموضوع كل مرة.
بعد كده، كريم نزل علشان يلمّ حاجاته وينضف. بعد كام دقيقة، مادي خبطت على باب أوضتي. دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء.
وقالت بصوت واطي: — ماما، بابا تحت؟
قلت لها: — أيوه. ليه؟
وطيّت صوتها أكتر وقالت: — ماما، بابا ماكانش بيصلّح فيشة كهربا.
امال كان بيعمل ايه؟!
ساعتها البنت سكتت والخوف بان فى عينيها اكتر.
قالت مادي بصوت واطي: — ماما، بابا ماكانش بيصلّح فيشة كهربا.
بصيت لها وأنا مستنية تكمل.
— أنا كنت متوقعة كده.
مادي بان عليها التوتر.
— هو عمل إيه؟
قالت بسرعة: — متزعقيش.
— في إيه؟ هزعق لكِ؟
— لا… مش عليّا.
الكلام ده ماطمننيش خالص.
قعدت على طرف السرير، وهي قعدت جنبي.
وبعد لحظة صمت، قالت: — الموضوع كان مفروض يبقى مفاجأة.
رمشت باستغراب.
— مفاجأة؟
هزت راسها.
— الحيطة.
بصيت لها بعدم تصديق.
— يعني إيه؟ إن الحيطة تتشال كان مفروض يبقى مفاجأة؟
لفّت عينيها وقالت: — لأ يا ماما.
وبعدين كملت: — الحاجة اللي بابا كان عايز يحطها مكان الحيطة.
قلت: — حاجة إيه؟
اترددت شوية، وبعدين قالت: — مكتبة.
— مكتبة؟
هزت راسها.
— وأوضة قراية صغيرة.
فضلت ساكتة.
مادي بدأت تشرح بسرعة: — علشان عيد ميلادك.
اتصدمت أكتر. عيد ميلادي كان فاضل عليه أسبوع واحد بس.
قالت: — بابا كان عايز يعمل لكِ واحدة من المكتبات اللي بتبقى مدمجة جوه الحيطة.
وبعدين طلعت موبايلها.
— وأنا ساعدته نختار شكلها.
فتحت صورة كانت محفوظة عندها. في الصورة كان فيه ركن قراءة جميل جدًا معمول جوه الحيطة. رفوف كتب على الجانبين، ومقعد مبطن في النص، وإضاءة هادية في السقف.
بصيت للصورة، وبعدين بصيت لمادي.
— بابا كان بيبني ده؟
هزت راسها.
— كان بيحاول.
— “بيحاول”؟
أومأت.
— شاف فيديو.
قفلت عيني لحظة. طبعًا. أكيد شاف فيديو. مفيش أخطر من راجل في منتصف العمر واثق من نفسه، يشوف فيديو مدته خمستاشر دقيقة بعنوان: «تقدر تعملها بنفسك في يوم واحد».
قلت: — قال لك إيه؟
مادي قالت: — قال إن الحيطة مش مهمة.
قطبت جبيني.
— يعني إيه مش مهمة؟
— استخدم جهاز كشف العروق الخشبية جوه الحيطة، وقال إنه فاكر إن الحيطة مش حاملة.
بصيت لها.
— هو كان متأكد من الكلام ده؟
مادي عملت وش مقرف.
— شاف فيديو تاني.
قلت بسخرية: — آه، طبعًا. كويس جدًا.
كملت: — امبارح قاس كل حاجة. كان فاكر إنه يقدر يقطع الفتحة، ويعمل الإطار، وبعدها يغطي المكان بملاية لحد عيد ميلادك.
تخيلت كريم وهو بيخرّب الصالة بكل ثقة، ومقتنع إنه هيقدر يرجع كل حاجة زي ما كانت قبل ما أرجع من الشغل.
سألتها: — طيب إيه اللي حصل؟
أشارت ناحية الأرض بشكل عام.
— الأسلاك.
اعتدلت في قعدتي.
— أسلاك إيه؟
قالت: — لما فتح الحيطة، لقى مجموعة أسلاك كهربا بالظبط في المكان اللي كان عايز يحط فيه المكتبة.
حسيت بمغص في بطني.
— هو قطع أي سلك؟
— لأ.
— متأكدة؟
— تقريبًا آه. وقف على طول.
ارتحت شوية.
— وبعدين حصل إيه؟
قالت: — اتخض.
— يعني كذب وقال حكاية الفيشة؟
هزت راسها.
— آه.
— وقال لكِ إيه؟
— قال إنك هتزعقي.
قلت: — وأنا كان ممكن أفهم الموضوع.
مادي بصت لي وقالت: — طيب، كنتِ هتزعقي جامد.
ضحكت غصب عني.
— آه، كنت هتخانق شوية.
قالت: — هو قال إن لو قال لك إنها مفاجأة عيد ميلاد، المفاجأة هتبوظ، وإنتِ هتفضلي متعصبة.
بصيت لها بعدم تصديق.
— يعني الحل بتاعه كان إنه يكذب عليّا الكذبة الغبية دي؟
هزت راسها.
— تقريبًا.
حطيت إيدي على وشي. جوزي كان بوّظ الحيطة علشان يعمل لي ركنة قراءة. كانت لفتة حلوة جدًا. لكن في نفس الوقت كانت غبية بشكل لا يُصدق.




