
الخدامة خبطت على باب أوضتنا الساعة 3 الفجر وهمستلي لازم تمشي من هنا حالًا”
أنا وجوزي أحمد كنا حاجزين في فندق فخم علشان نحتفل بعيد جوازنا السابع. دي كانت أول مرة من سنين نسافر لوحدنا من غير أي حد معانا، وعشان كده كنا عايزين الرحلة دي تبقى مثالية بكل تفاصيلها. قضينا المساء بنتمشى في شوارع المدينة، وبعدها رجعنا الفندق واتعشينا في المطعم اللي على السطح. الجو كان جميل جدًا، وكل حاجة كانت هادية زي ما كنا متخيلين بالظبط.
بعد نص الليل بشوية رجعنا أوضتنا، وكنا الاتنين مرهقين جدًا من كتر المشي طول اليوم. غيرنا هدومنا ودخلنا السرير، ومش فاكرة حتى أخدت قد إيه على ما نمت. كل اللي فاكراه إني قبل ما عيني تغمض، كنت ببص حواليا وحاسة براحة غريبة؛ الفندق ساكت، والأوضة مريحة، وأحمد نايم جنبي… وقلت لنفسي إن الرحلة دي فعلًا كانت أحسن فكرة عملناها من فترة طويلة، وبعدها نمت.
لكن في وقت ما وسط الليل… صحيت على صوت خبط خفيف جدًا على باب الأوضة. الخبط كان واطي لدرجة إني في الأول افتكرت إني بحلم. فتحت عيني وبصيت ناحية الباب وسكت شوية أسمع… مفيش حاجة. كنت لسه هغمض عيني تاني لما الخبط اتكرر، بس المرة دي سمعته بوضوح: تك… تك… تك. الغريب إنه ماكانش خبط واحد مستعجل أو عايز يصحي اللي جوه الأوضة، بالعكس كان خبط بطيء وحذر جدًا… كأن الشخص اللي واقف بره مش عايز أي حد تاني في الطرقة يسمعه.
مديت إيدي ناحية أحمد وأنا لسه نص نايمة علشان أصحيه وأقوله يشوف مين على الباب، لكن إيدي نزلت على المرتبة وملمستش أحمد! فتحت عيني مرة واحدة ومديت إيدي أكتر ناحية مكانه، لكن السرير كان فاضي. في اللحظة دي النوم طار من عيني تمامًا، قعدت على السرير وبصيت حواليا: “أحمد؟” مفيش رد. بصيت ناحية الحمام والنور مطفي، بصيت ناحية البلكونة والباب مقفول، ناديت عليه تاني: “أحمد؟” برضه مفيش رد.
وبعدين عيني وقعت على الترابيزة الصغيرة اللي جنب السرير; موبايله موجود، محفظته موجودة، وحتي كارت مفتاح الأوضة بتاعه كان لسه مكانه. فضلت باصة للحاجات دي وأنا مش فاهمة؛ أحمد خرج من الأوضة إزاي؟ والأهم… خرج ليه من غير موبايله ولا محفظته ولا حتى مفتاح الأوضة؟ وقبل ما ألحق أفكر أكتر، الخبط الهادي جه للمرة التالتة: تك… تك… تك.
بصيت ناحية الباب، وفي اللحظة دي أول حاجة جت في دماغي إن أحمد يمكن خرج لسبب ما والباب اتقفل وراه بالغلط، يمكن نزل يجيب حاجة بسرعة أو حصلت مشكلة… ماعرفش، بس وقتها ما فكرتش كتير. قمت من السرير ومشيت ناحية الباب وفتحته وأنا متوقعة أشوف أحمد واقف قدامي، لكن اللي كانت واقفة بره ماكانتش أحمد؛ كانت واحدة من عاملات النظافة في الفندق، ست مصرية اسمها منى، كنت شوفتها قبل كده في الدور وهي بتنضف إحدى الأوض.
بس شكلها المرة دي كان مختلف تمامًا… كانت مرعوبة! اليونيفورم بتاعها كان متكرمش، ونَفَسها سريع ومش منتظم، وكل ثانيتين كانت بتلف راسها وتبص وراها يمين وشمال في الطرقة، كأنها خايفة حد يشوفها واقفة قدام باب أوضتي. بصيتلها باستغراب وقلت: “خير؟ في حاجة؟”. منى قربت مني خطوة، وبصوت واطي جدًا يكاد يكون همس قالتلي: “لازم تمشي من هنا… حالًا”.
بصيتلها وأنا مش فاهمة أي حاجة؛ أمشي؟ أروح فين؟ وإيه اللي حصل؟ وبعدين افتكرت أحمد فورًا، مسكت الباب أكتر وسألتها: “جوزي فين؟ أحمد فين؟”. الغريب إنها ما ردتش على سؤالي، وبدل كده بصت وراها بسرعة ناحية آخر الطرقة، وبعدين رجعت بصتلي وقالت بصوت أوطى: “أرجوكي… البسي الروب وتعالي معايا”. اتوترت وقلت: “أجي معاكي فين؟ وجوزي فين؟”، لكنها قربت مني أكتر وهمست: “ماتسأليش أي أسئلة وإحنا واقفين هنا”.
وقفت مكاني وأنا حاسة إن قلبي بدأ يدق بسرعة. الموقف كله ماكانش منطقي؛ الساعة تقريبًا تلاتة الفجر، جوزي اختفى من الأوضة من غير موبايله ولا محفظته ولا مفتاحه، وفجأة عاملة نظافة واقفة على بابي وبتطلب مني أخرج معاها من غير ما تقوللي ليه. كل غريزة جوايا كانت بتقوللي إن خروجي معاها في الوقت ده فكرة سيئة جدًا، يمكن دي خدعة أو حد مستنيني بره والمفروض أقفل الباب فورًا وأتصل بأمن الفندق! لكن… كان في حاجة في عينين منى منعتني; الخوف. ماكنش شكل واحدة بتمثل، عينيها كانت مليانة رعب حقيقي وكان واضح إنها خايفة على نفسها كمان.
رجعت بسرعة لجوه الأوضة، لبست روب الفندق فوق هدوم النوم وخدت نفس عميق، وبعد أقل من دقيقة خرجت وراها. منى ما قالتش حاجة، أول ما خرجت بدأت تمشي بسرعة في الطرقة. قفلت الباب ورايا ومشيت وراها، كانت خطواتها سريعة وما بصتش وراها ولا مرة. وأنا ماشية وراها كنت ببص على أبواب الأوض حوالينا; كل حاجة كانت ساكتة ومفيش صوت ولا حد في الطرقة، حتى الإضاءة الخافتة بتاعة الفندق كانت مخليّة المكان أغرب.
فضلنا ماشيين شوية وأنا مش قادرة أستحمل أكتر، قربت منها وقلت بصوت واطي: “منى… بالله عليكي فهميني، أحمد فين؟ وإنتِ واخداني على فين؟”. منى فضلت ماشية، ثواني عدت من غير ما ترد، وبعدين أخيرًا اتكلمت ومن غير حتى ما تبصلي قالت: “خمس دقايق بس… خمس دقايق وهتفهمي كل حاجة”.
منى خدتني وعدّينا من قدام الأسانسيرات، وبعدها دخلنا ممر جانبي خاص بالعاملين. أول ما دخلته ريحة المنظفات والمعدنات خبطت في وشي. كنت لابسة شبشب الفندق اللي منى أصرت إني ألبسه قبل ما نخرج، وصوت رجلي كان بيخبط في أرضية السيراميك مع كل خطوة. فضلت أبص ورايا كل شوية وقلتلها: “جوزي فين؟”
، ما ردتش. زودت سرعتي ولحقتها: “إنتِ قولتيلي إني هفهم كل حاجة بعد خمس دقايق”، ردت من غير ما تبصلي: “بقوا أربعة دلوقتي”.
بصيت على البطاقة المثبتة على يونيفورمها، كان مكتوب عليها “منى”. شكلها ماكانش يعدي التلاتين سنة، شعرها الغامق متلم تحت غطا أبيض صغير وكان عندها أثر جرح صغير جنب دقنها. وصلنا لآخر الممر، منى طلعت كارت من جيبها وفتحت باب مكتوب عليه “مخزن المفروشات”.
دخلنا؛ رفوف مليانة فوط مترتبة بعناية وبس! بصيتلها باستغراب، لكن منى دخلت ومدت إيدها ورا رصة من أرواب الحمام وضغطت على حاجة في الحيطة… سمعت صوت تكّة، وفجأة جزء كامل من الرف اتحرك!
هوا بارد خبط في وشي. ورا الرف كان فيه ممر تاني؛ ضيق، مظلم، ومستحيل أي نزيل يعرف إنه موجود أصلًا. وقفت عند المدخل وقلت فورًا: “لأ!”. منى لفت ناحيتي وقالت: “لو رجعتي أوضتك، هما هيرجعوا ياخدوكي”. حسيت جسمي كله برد: “هما مين؟”، بصتلي في عيني وقالت: “الرجالة اللي خدوا جوزك”.
بلعت ريقي بالعافية: “إنتِ شوفتيهم؟”، ردت: “شوفته وهو خارج معاهم”. سألتها بسرعة: “كان واعي؟”، منى سكتت. ترددها لوحده كان كفاية يخليني أتوتر أكتر. مسكت دراعها: “منى… كان واعي ولا لأ؟”، قالت: “أيوه”. الإجابة وجعتني أكتر مما توقعت; يعني إيه؟! أحمد خرج معاهم برجليه؟! “خرج بإرادته”.
سيبت دراعها، ولثانية بشعة فكرة عدت في دماغي: يمكن أحمد سابني! مش ساب الأوضة… سابني أنا! سبع سنين جواز، طفلين نايمين دلوقتي في بيت أختي، أقساط بيت، وحياة كاملة بنيناها من طلبات البيت ومشاوير المدارس وخناقات بنوطي صوتنا فيها بعد ما العيال تنام. لكن موبايله كان لسه على الكومودينو ومحفظته، وفجأة افتكرت حاجة ماخدتش بالي منها وأنا في الأوضة; دبلة جوازه! الدبلة ماكانتش في إيده لما نمنا، كانت محطوطة جنب موبايله.
بصيت لمنى: “ليه يخرج من غير ما يقوللي؟”، منى بصت ناحية الممر السري وقالت: “لأنه ماكانش عايزك تمشي وراه”، ودخلت. فضلت واقفة مكاني، وقبل ما تبعد قالت جملة جمدتني: “جوزك جه الفندق ده قبل كده”. رفعت راسي بسرعة: “إيه؟”، ردت: “بس مش معاكي”، وكملت مشي.
ماكانش قدامي غير إني أمشي وراها. دخلت الممر اللي كان ممتد ورا أوض الفندق نفسها، وفي الحيطان كانت فيه فتحات صغيرة جدًا طالع منها شرائط رفيعة من النور من الأجنحة اللي فيها نزلاء. سمعت صوت تلفزيون، حد بيضحك، وصوت المية… ناس عايشة حياتها في أوضها وماحدش فيهم عنده أدنى فكرة إننا ماشيين ورا الحيطان!
همست: “إيه المكان ده؟”، قالت منى: “ممرات خدمة قديمة، الفندق اتبنى سنة 1928 والعمال زمان كانوا بيستخدموا الممرات دي قبل التجديد”. بصيت للفتحات: “طب ليه فيه فتحات بتطل على الأوض؟”، بصتلي منى وقالت: “لأنها ماكانتِش فتحات في الأول”. وفي اللحظة دي حاجة لمعت قدامي; عدسة كاميرا! قربت منها واتجمدت… الكاميرا كانت موجهة مباشرة ناحية سرير إحدى الأوض!
معدتي اتقلبت: “كام أوضة فيها الكلام ده؟”، ردت: “كل أجنحة المناسبات وذكرى الجواز”. افتكرت أوضتنا، الورد المتناثر والكارت الدهبي اللي كان مكتوب عليه: “سبع سنين تستحق ذكرى لا تُنسى”. بصيتلها بصدمة: “إنتوا بتصوروا الناس؟!”، قالت: “أنا بنضف الأوض”، قلت: “مش ده اللي سألتك عنه”، هزت راسها وقالت: “لأ، أنا ما بصورش حد… بس فيه حد بيصور”.
وصلنا لآخر الممر وكان فيه باب معدني، ومن وراه سمعت أصوات رجالة؛ صوت راجل هادي ومنخفض وبعدين صوت تاني رد عليه… قلبي وقف: “أحمد!”. اتحركت فورًا ناحية الباب لكن منى مسكت رسغي: “مش دلوقتي!”، قلت: “أحمد جوه!”، قالت: “لو فتحتي الباب هيعرفوا إني ساعدتك”، قلت: “وأنا مش فارق معايا!”، قالت وهي بتشد على إيدي: “بس أنا فارق معايا… أخويا اختفى في الفندق ده من 11 شهر”.
سكت… كملت: “كان شغال أمن في الوردية الليلية واكتشف الكاميرات، وبعدها بتلات أيام الفندق قال إنه سرق فلوس وهرب”. سألتها: “وهو فعلًا عمل كده؟”، قالت: “لأ”، سألتها: “عرفتي منين؟”، قالت: “لأنه ساب بخاخ الربو بتاعه في مطبخي”.
الصوت جوه الأوضة ارتفع، وسمعت أحمد بيقول: “إنت قولتلي إن الملفات اتدمرت”، رد عليه الراجل: “كان المفروض ما ترجعش هنا”. بصيت لمنى; أحمد كان عارف الملفات، وكان عارف الفندق، ومع ذلك… جابني هنا! منى فتحت جزء صغير جدًا في الحيطة جنب الباب وبصيت منه. الأوضة اللي قدامنا كانت مليانة شاشات بتعرض عشرات الأوض؛ أزواج نايمين، ناس بتغير هدومها، كل لحظة خاصة في حياة الناس اتحولت لفيديو صامت!
وفي نص الأوضة كان أحمد واقف لابس التيشيرت الأسود اللي نام بيه وحافي، وقدامه مدير الفندق فؤاد ببدلته المثالية اللي استقبلنا بيها وبعتلنا عصير هدية، ودلوقتي كان وراه اتنين من رجال الأمن. وفي إيد أحمد وحدة إلكترونية صغيرة سودا، وفي إيد فؤاد… سلاح!
ركبي ضعفت وهمست لمنى: “لازم نكلم الشرطة”، هزت راسها: “فؤاد بيمشي أموره مع الظباط هنا”، قلت: “نكلم حد تاني”، قالت: “عملت كده قبل ما أجيلك الأوضة بس معرفش جايين ولا لأ”. بصيت للشاشات تاني، الشاشة الأقرب لأحمد كانت بتعرض جناحنا؛ السرير فاضي وباب الحمام مفتوح. فؤاد شاف الشاشة وتعبير وشه اتغير وسأل أحمد: “مراتك فين؟”، أحمد بص للشاشة ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي على وشه وقال: “نايمة”. قال فؤاد: “لأ… مش نايمة”، ورفع السلاح!
واحد من الحراس خرج من الأوضة، منى شدتني بعيد عن الفتحة: “هيدور في الممرات”، قلت: “يبقى أرجع الأوضة”، قالت: “فات الأوان”. شدتني ناحية باب تاني وبعده نزلنا سلم حديد دورين، وفوقينا سمعنا باب بيتفتح بعنف وخطوات دخلت الممر السري! منى أسرعت وفي آخر السلم وصلنا لمغسلة الفندق؛ غسالات صناعية ضخمة صوتها مالي المكان وبخار مالي السقف.
منى زقتني ورا عربية كبيرة مليانة فوط: “استخبي هنا”، قلت: “وإنتِ رايحة فين؟”، قالت: “أجيب جوزك”، قلت: “ما إنتِ قولتي فيه حراس!”، قالت: “بقوا تلاتة دلوقتي” ولفت تمشي. مسكت كمها: “منى… إنتِ بتساعدينا ليه؟”، وشها اتغير وقالت ببرود: “أنا مش بساعده هو”، وقبل ما أسألها تقصد إيه اختفت وسط البخار.
قعدت ورا العربية وأنا بترعش؛ عدت دقيقة وبعدين اتنين، الروب بالعافية كان مغطي رجلي ومفيش معايا موبايل ولا مفتاح ولا أعرف الشرطة جاية ولا لأ. فجأة باب اتفتح في الناحية التانية من المغسلة ودخل حارس الأمن؛ راجل ضخم وفي ودنه سماعة وقف يبص في المكان. وطيت نفسي أكتر ورا الفوط، صوت جزمته بدأ يقرب ببطء، وقف جنب الغسالة الأولى وبعدين التانية… صدري بدأ يوجعني من كتر ما أنا حابسة نفسي.
وفجأة فوطة وقعت من فوق العربية جنب رجلي! الحارس لف، جريت! صرخ ورايا فزقيت عربية الفوط فيه وجريت بين الغسالات. لحقني ومسك الروب من ضهره، الحزام اتشد على وسطي فلفيت جسمي بعنف وخرجت منه وسبت الروب في إيده وتراجعت لورا. وصلت لآخر الحيطة ومفيش مخرج! لفيت، الحارس كان واقف بيبتسم وقال: “سارة… خلينا مانصعبش الموضوع”، كان عارف اسمي!
وقبل ما يتحرك، طفاية حريق خبطته في جنب راسه ووقع على الأرض! منى كانت واقفة وراه بصتلي وقالت: “تلات دقايق”، قلت: “إيه؟ إنتِ قولتي خمس دقايق!”. خدت كارت الحارس والسلاح بتاعه وقالت: “دلوقتي فهمتي”، قلت: “لأ… لسه مش فاهمة”. فتحت أسانسير خدمة وقالت: “جوزك فاهم”.
الأسانسير نزل بينا للبدروم، وأول ما الباب اتفتح لقيت أحمد واقف مستنينا؛ كان فيه دم على شفايفه وإيديه مربوطين بأربطة بلاستيك. لكن المفاجأة إن منى رفعت السلاح ووجهته لأحمد! بصيتلها مصدومة: “إنتِ بتعملي إيه؟!”، قالت: “اسأليه هو حجز الفندق ده ليه!”.
أحمد غمض عينيه: “سارة…”، صرخت: “ليه جبتني هنا؟”، قال: “الموضوع ماكانش المفروض يحصل كده”، قلت: “دي مش إجابة!”. منى قربت السلاح من صدره: “قولها”، أحمد بصلي وقال: “ذكرى جوازنا ماكانتش السبب الحقيقي إني حجزت هنا”. الجملة دخلت في قلبي زي السكينة: “أمال إيه السبب؟”.
رفع إيديه المربوطين: “من سبع سنين، قبل ما نتجوز، كنت شغال في شركة مسؤولة عن الأمن الرقمي للفنادق، والفندق ده كان من عملائنا”. افتكرت لحظة وصولنا وفؤاد وهو بيسلم على أحمد، والثانية الصغيرة اللي وقف فيها قبل ما يبتسم… أنا افتكرت إنه بيقرأ اسم الحجز، لكنه كان عارف أحمد! قلت: “عملت إيه؟”، قال: “اكتشفت ملفات مخفية على شبكة الفندق”. سألته: “التسجيلات؟”، هز راسه: “كان عندهم تسجيلات بقالها سنين بيستخدموها علشان يبتزوا النزلاء”، قلت: “وبلغت عنهم؟”.
سكوته جاوبني، ومنى ضحكت بمرارة: “لأ، سرقها!”. أحمد بص ناحيتها: “أنا نسخت الملفات”، سألته: “عشان الفلوس؟”، قال: “لأ، تأمين ضد فؤاد… واجهته وعرض عليا 200 ألف دولار علشان أمسح اللي اكتشفته وأمضي اتفاق سرية”، قلت: “خدتهم؟”، قال: “لأ”، قالت منى ببرود: “خد أكتر!”.
أحمد بص للأرض وقلبي بدأ يدق أسرع: “كام؟”، قال: “نص مليون دولار”. رجعت خطوة لورا… من سبع سنين أحمد قاللي إن شركة السوفت وير بتاعته اتباعت، وقال إن الفلوس دي هي اللي ساعدتنا نشتري أول بيت وسددنا بيها القروض ودفعنا منها تكاليف العلاج اللي ربنا رزقنا بعده بأولادنا… نص مليون دولار بنوا حياتنا، والفلوس دي كانت جاية من ابتزاز الفندق!
قلت: “يعني إنت ابتزيتهم؟”، قال: “كنت مقنع نفسي إني بخليهم يدفعوا تمن اللي عملوه”، قلت: “واحتفظت بالتسجيلات؟”، قال: “نسخة واحدة كحماية”، منى قالت بغضب: “أخويا لقى النسخة دي!”. أحمد بص لها بصدمة: “إيه؟”، قربت منه: “لقى اسمك في ملفات فؤاد الخاصة، واتصل بيك من 11 شهر”. وش أحمد شحب، بصيت بينهم: “هو اتصل بيك؟”، أحمد ما ردش.
منى زقت السلاح ناحية كتفه: “محمود كلمك؟”، قال أحمد بصوت شبه همس: “أيوه”، سألته: “قالك إيه؟”، رد: “قال إن الفندق بدأ يصور النزلاء تاني وكان عايز دليل”، قالت منى: “وإنت عملت إيه؟”، قال: “قولتله يبعد عن الموضوع”. إيد منى بدأت تترعش: “كنت عارف فؤاد ممكن يعمل إيه؟”، قال: “أيوه”، قالت: “كنت عارف إن أخويا في خطر ومعملتش حاجة؟”، صوت أحمد اتكسر: “كان عندي عيلة!”.
منى ضربته بالقلم على وشه فاتخبط في الحيطة… أنا اتخضيت لكن ما منعتهاش. سبع سنين وأنا مقتنعة إن أسوأ عيب في أحمد إنه بيهرب من المواجهة، ودلوقتي فهمت إن الهروب ماكانش مجرد عيب، دي كانت طريقته في النجاة. سألته: “طب إيه اللي اتغير؟”، مسح الدم من بوقه وقال: “محمود بعتلي ملف قبل ما يختفي، قائمة بأسماء النزلاء اللي فؤاد استهدفهم وكان فيها اسم ظابط كبير، ماكنتش عارف أثق في مين. ومن تلات أسابيع تواصلت مع محقق فيدرالي”.
غضبي اهتز للحظة: “أمال جيت هنا ليه؟”، قال: “كانوا محتاجين السيرفر الأصلي، وفكرت إن وجودي معاكي هيبقى غطاء مناسب لأن ذكرى جوازنا سبب طبيعي نحجز عشانه الجناح”. بصيتله بعدم تصديق: “يعني استخدمتني؟ خليتني طُعم؟”، ماعرفش يرد!
فجأة جرس الأسانسير رن؛ في حد نازل! منى قطعت الأربطة من حوالين إيد أحمد: “اتخانقوا بعدين”، الأرقام بدأت تنزل: 5… 4… 3. منى مدتلي السلاح، بصيتله برعب: “أنا عمري ما استخدمته!”، قالت: “مش لازم تضربي، بس وجهيه ناحية الباب”. منى وأحمد وقفوا على الجانبين، الرقم وصل للبدروم والباب اتفتح.
فؤاد كان واقف جوه ومعاه الحارس التاني، شاف السلاح في إيدي وابتسم: “سارة… جوزك دخلك في حاجة إنتِ مش فاهمة إبعادها”، قلت: “فاهمة كفاية”، قال وهو بيبص لأحمد: “بجد؟ طب قالك تسجيل مين هو اللي دفع تمن بيتكم؟”. أحمد اتجمد، بصيتله: “يعني إيه؟”، ابتسامة فؤاد وسعت: “اسألي جوزك عن أوضة 714″، همس أحمد: “لأ…”، سألت: “مين كان في أوضة 714؟”، فؤاد رد: “أبوكي!”.
السلاح نزل من إيدي شوية… أبويا مات قبل جوازي بسنتين بأزمة قلبية أو ده اللي كنا فاكرينه، لكن في آخر شهور من حياته كان منطوي ومرعوب وباع شركته. فؤاد كان واقف بيتفرج على الحقيقة وهي بتوصللي: “أبوكي كان من أوائل الناس اللي وقعوا معانا بعد ما اتصور في وضع غير لائق”. صرخت: “لأ!”، أحمد قرب مني: “سارة، لما نسخت الملفات ماكنتش أعرف إنه أبوكي”، بصيتله: “بس عرفت بعد كده؟”، وشه انهار: “عرفت بعد تاني مرة خرجنا فيها مع بعض”.
ماكنتش قادرة آخد نفسي: “ومع ذلك اتجوزتني؟ خدت فلوس من الناس اللي كانوا بيبتزوا أبويا!”، قال: “خدت الفلوس علشان أدمر تسجيله”، فؤاد ضحك: “خد الفلوس علشان يسكت!”. أحمد اندفع ناحية فؤاد فالحارس مسكه، ومنا هجمت على فؤاد، وفجأة السلاح ضرب من إيدي! الصوت كان مرعب والرصاصة خبطت في سقف الأسانسير فاتجمد الكل، وبعدها بثواني أصوات إنذارات وسارينات شرطة حقيقية دوّت في المكان!
ثقة فؤاد اختفت من وشه، ومنى ابتسمت والدموع في عينيها: “وصلوا!”. المحقق اللي أحمد كان بيتعامل معاه استقبل إشارة من الجهاز الأسود اللي كان في إيد أحمد، الجهاز كان جهاز إرسال للعملاء الفيدراليين. فؤاد اتقبض عليه والحراس كمان، والسيرفر كان عليه آلاف التسجيلات وكان عليه الساعات الأخيرة من حياة محمود أخو منى قبل ما ينهوا حياته ويدفنوه في أرض مهجورة، والشرطة وصلت لجثته بعد ست أيام.
منى اتصلت بيا بعد ما اتأكدوا من هويته، فضلنا إحنا الاتنين ساكتين، وفي الآخر همست: “على الأقل… مبقاش مفقود”. عيطت بعد ما قفلنا؛ عيطت على أخوها، وعلى أبويا، وعلى جوازي اللي بقيت مش عارفة كان حقيقي قد إيه. أحمد ما اتمش توجيه اتهام رسمي ليه بسبب تعاونه في القبض عليهم، لكن بالنسبة لي كان كشف الحقيقة بعد سنين واستخدم ذكرى جوازنا كغطاء.
لما رجعنا البيت أحمد سابه وراح يعيش لوحده، وقيل للعيال إن بابا هيبعد فترة لحد ما نحصل شوية مشاكل، ودي كانت أرحم نسخة من الحقيقة. بعد تلات شهور منى عزمتني على جنازة محمود، وقالتلي إن الفندق فصلها بسبب مخالفتها للإجراءات، لكنها كانت راضية إنها جابت حق أخوها.
الفندق قفل بعد ست شهور والمحققين سمحوا للضحايا يستردوا الحاجات الشخصية المضبوطة، ومن ضمن الحاجات كانت ساعة أبويا بسوارها الجلد البني. مسكت الساعة في كف إيدي وسمعت صوت عقاربها: تك… تك… تك… كانت لسه شغالة. أحمد خبى الحقيقة عني لأنه كان خايف الحقيقة تكلفه الحياة اللي بناها، وكان عنده حق؛ كلفته حياته فعلياً، لكن الحقيقة ما هدمتش حياتنا… الكذب كان هدمها من زمان، والحقيقة بس خبطت على الباب بهدوء كفاية علشان أخيرًا أفتحه.




