روايات وقصص

لما جوزي أذاني

في الليلة اللي جوزي كريم أذاني فيها بسبب مبلغ 1,480 دولار كنت مخبياه في حساب إلكتروني، ابني آدم، اللي عنده خمس سنين، كان هو اللي قرر إن اللي أنا عايشاه ما ينفعش يتسمى جواز تاني.

كنت واقعة على أرض المطبخ، بحاول آخد نفسي من غير ما أحرك الناحية الشمال من جسمي.

كرسي كان واقع جنب الترابيزة، والرز كان متناثر على الأرض، وآدم كان واقف في طرقة البيت، حاضن الديناصور الأخضر بتاعه اللي كان بياخده معاه حتى وقت النوم.

كريم كان لسه خارج وقافل الباب بعنف.

وقبل ما يمشي، أخد مفتاح عربيتي.

كان بيعمل كده بعد كل خناقة تقريبًا.

كان بيقول إن ده علشان يمنعني من إني أتصرف وأنا متعصبة.

لكن الحقيقة كانت إنه يقدر يخرج وقت ما يحب، وأنا أفضل في البيت من غير وسيلة أروح بيها أي مكان.

كريم ما كانش كده لما اتعرفنا في الإسكندرية من تسع سنين.

في الأول، كان بيتصل يطمن إني وصلت بالسلامة.

بعدها بدأ يسألني كنت مع مين.

وبعدين بقى عايز يشوف الرسائل، والإيصالات، ومواعيد خروجي ورجوعي.

لما آدم اتولد، وعدني إنه هيتغير.

وفعلًا اتغير كام شهر.

وبعدها بدأ يسمي السيطرة «اهتمام بالعيلة».

الليلة دي كل حاجة بدأت لما شاف حساب على موبايلي.

قال:

— الفلوس دي بتاعت إيه؟

قلت:

— فلوسي.

ضحك ضحكة من غير أي إحساس.

— فلوسك إنتِ؟

كان في الحساب 1,480 دولار.

كنت بجمع البواقي اللي بتفضل من مشتريات البيت، وشوية فلوس من شغل بسيط بعمله من البيت، وكمان فلوس كانت أختي سلمى ساعات بتسيبها معايا.

المبلغ ما كانش يكفي أبدأ حياة جديدة.

لكنه كان يكفي أجرة عربية، أو كام ليلة في فندق، أو كشف عند محامية.

أنا وقتها ما كنتش بسميه فلوس للهروب.

كنت بسميه «فلوس لأي ظرف».

لكن كريم فهم قبل مني الحساب ده معناه إيه.

قال:

— إنتِ بتخططي تمشي بابني؟

قلت:

— لأ.

كنت بكذب.

لأن الحقيقة، بعد سنين من العيش في الخوف، ما بقتش بالنسبة لي مسألة صح وغلط.

بقت مسألة نجاة.

كريم مسك دراعي.

حاولت أبعد، فجسمي خبط جامد في طرف الرخامة، وحسيت بألم شديد في جنبي الشمال.

آدم صرخ.

كريم بص له.

عمري ما نسيت النظرة دي.

ما كانتش ندم.

كانت تضايق لأنه اتشاف.

قال له:

— ادخل أوضتك.

آدم ما اتحركش.

قلت:

— كريم، كفاية.

قال:

— إنتِ لسه هتخلي الولد ده يقف ضدي.

وبعدها أخد المفاتيح ومشي.

آدم استنى لحد ما صوت العربية اختفى، وبعدها جه ناحيتي.

قال:

— ماما، إنتِ قادرة تتنفسي؟

قلت:

— أيوه يا حبيبي.

هز راسه.

الأطفال ساعات بيلاحظوا الحاجات اللي الكبار بيحاولوا يقنعوا نفسهم إنهم مش شايفينها.

آدم لقى موبايلي تحت الكرسي.

قال:

— هكلم جدو.

أبويا محمود كان اشتغل 34 سنة في مصنع حديد في السويس.

وكان بياخد آدم يوم الجمعة يصطاد في مزرعة صغيرة بتاعة واحد صاحبه.

في قائمة الأرقام على موبايلي، صورته كانت باينة وهو ماسك سمكة زرقا آدم هو اللي اختارها.

آدم ضغط على اسمه.

— جدو؟

أبويا قال:

— أهلًا يا بطل.

صوت آدم اتكسر.

— تعالى خد ماما. هي مش قادرة تتنفس كويس.

سكت أبويا لحظة.

وبعدين اتكلم بهدوء خوّفني أكتر من أي زعيق.

قال:

— حط الموبايل جنبها.

آدم عمل كده.

قال أبويا:

— ليلى، ما تتكلميش لو الكلام بيوجعك. لو كريم هو السبب، خَبّطي على الأرض مرة واحدة.

سنين وأنا بفسر أي علامات تظهر عليّ إني اتخبطت، أو وقعت، أو خبطت في باب.

لكن الليلة دي، لأول مرة، ما اخترعتش أي حجة.

خبطت بإيدي على الأرض مرة واحدة.

أبويا قال:

— أنا جاي لكم. سلمى بتكلم الإسعاف والشرطة. ما تتحركيش.

آدم قعد جنبي.

وفجأة سمعنا عربية وقفت قدام البيت.

جسمي كله اتشد.

آدم راح ناحية الشباك.

قال:

— ماما…

أنا كنت عارفة.

— ده بابا.

كريم دخل بالمفتاح بتاعه.

ما سألنيش أنا كويسة ولا لأ.

وما اهتمش بحالتي.

بص على الموبايل على طول.

قال:

— كلمتي مين؟

آدم رجع لورا ومسِك الموبايل على صدره.

صوت أبويا جه من السماعة:

— كلمني أنا.

كريم وقف مكانه.

في اللحظة دي ظهر إشعار على شاشة الموبايل:

«محاولة دخول إلى حسابك من جهاز جديد».

كريم شاف الرسالة.

ملامحه اتغيرت.

وساعتها فهمت حاجة كانت أخطر من كل اللي حصل.

هو ما رجعش علشان يطمن عليّ.

هو رجع لأنه كان لازم يدخل على حسابي قبل ما أعرف هو عمل إيه باسمي.

الجزء الثاني
صوت عربية الإسعاف ظهر في آخر الشارع قبل ما كريم يقدر يوصل للموبايل.

تمتم:

— الموضوع بقى فضيحة بسببك.

ولأول مرة من سنين، رديت عليه من غير ما أوطي عيني.

— ما تقربش من آدم.

كريم وقف.

بعد كام دقيقة، دخلت الشرطة وفريق الإسعاف.

هو قال إني اتعورت بسبب إني وقعت أثناء خناقة.

لكن كان فيه كرسي واقع، وعلامات واضحة على دراعي، وآدم كان بيرتعش، وأبويا لسه سامع كل حاجة على التليفون.

في المستشفى، الفحوصات أكدت إن عندي إصابة في ضلعين وكدمة قوية.

الدكتورة سجلت الإصابات، وسألتني إذا كنت محتاجة مساعدة متخصصة في حالات العنف الأسري.

كنت تقريبًا هرد بنفس الطريقة القديمة.

«كانت خناقة».

لكن افتكرت آدم وهو بيسألني إذا كنت قادرة أتنفس.

فقلت:

— جوزي دفعني.

كان صعب أقولها.

وبعدها بقى أسهل.

في قسم الشرطة المختص، حكيت كمان إن كريم أخد مفاتيحي، وإن آدم شاف اللي حصل.

وأدوني معلومات عن إجراءات الحماية، ووجهوني لمساعدة قانونية.

أبويا ما سألنيش ليه استحملت كل ده.

بس مسك إيدي.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى