روايات وقصص

بعد 3 سنين جواز

بعد ثلاث سنين جواز، جوزي قرر يحولني للطباخة الخاصة بأمه وأخته: “متأفوريش، أنتِ قاعدة في البيت طول اليوم”. أخدت الورقة من غير ما أتكلم واستنيت. ولما ظهروا الضهر ومعاهم نسخة من مفتاح شقتنا، كل اللي قلته: “النهارده مش هطبخ”. وبعدها بساعات، دخل جوزي يزعق ويزأر… وفجأة يرن الجرس.

​الجزء الأول

​— من أول يوم الاثنين، أمي وأختي هييجوا ياكلوا هنا كل يوم. وبما إنك شغالة من البيت، أهو أخيرًا تعملي حاجة ليها لازمة بجد.

​شريف قال الكلام ده وهو حاطط وشه في التليفون ومبيترفعش. أنا كنت ماسكة ورقة كانت حماتي، نادية، سيباها على الرخامة: شوربة لسان عصفور، بفتيك، رز بالشعرية، سلطة خضرا، وعصير قمر الدين. وتحت خالص كانت كاتبة بخط إيدها: “كل حاجة تجهز على الساعة واحدة بالدقيقة”.

​طبقت الورقة أربع طبقات وحطيتها في شنطتي.

​بقالي ثلاث سنين متجوزة. كنت شغالّة مراجعة لغوية لحساب دار نشر من شقتنا في سموحة بالإسكندرية، بكسب قرشي بجهدي، ورغم كده شريف كان بيشوف إني “قاعدة في البيت”. وبالنسبة لعيلته، “قاعدة في البيت” دي معناها إنك فضياهم: تطبخي، تستلمي أوردرات، تقضي طلبات أمه، وتبقى خدامة تحت أمر أخته ياسمين.

​— أنتِ سامعاني ولا بكلم نفسي؟ — زق الكلام بعصبية.

​— أيوة، سامعاك.

​بالليل، وهو غرقان في النوم، مسكت التليفون وكلمت أمي. أمي كانت محامية أحوال شخصية، وطول الشهور اللي فاتت كنت برفض كل تحذيراتها ليا.

​— يا ماما، العرض اللي عرضتيه عليا لسة شغال؟

​— شغال طول العمر يا بنتي.

​— طب أنا محتاجة مساعدتك، ودلوقتي.

​تاني يوم شريف نزل من الصبح بدري. وعلى الساعة واحدة إلا عشرة، نادية فتحت باب الشقة بنسخة المفتاح اللي شريف أداها لها من ورايا. ياسمين كانت داخلة وراها بتتمطوع.

​على سفرة الصالة، كان فيه قهوة، بقسماط، وشوية فاكهة بس.

​— إيه ده؟ فين الأكل؟ — حماتي سألت واستغربت.

​— هو ده اللي موجود النهارده.

​— أنا سيبالك لستة بالطلبات!

​— شفتها.

​— طب يلا ادخلي المطبخ أنجزي روحك.

​ولأول مرة من ثلاث سنين، ممثلتش ابتسامة الهبلة عشان أعدي اليوم.

​— لا، مش هطبخ.

​ياسمين أخت جوزي فطست على روحها من الضحك.

​— جرى إيه يا ندى؟ شريف هو اللي شايل البيت وصارف عليكي!

​— أنا بشتغل وبصرف على نفسي. والشقة دي مش مطعم عشان تيجوا تاكلوا فيه.

​نادية قفلت شنطتها بعنف.

​— تمام، لما يرجع ابن المحترم هشوف هيتصرف معاكي إزاي.

​— كلميه، أهو معاكي التليفون.

​على الساعة ستة، شريف دخل الشقة زي الإعصار.

​— أنتِ عملتي إيه لأمي يا هانم؟!

​قفلت الكتاب اللي كنت بقرأه بهدوء.

​— ولا حاجة. بطلت أسمع الكلام وخلاص.

​— أنا مش قلتلك تطبخي وتعملي حسابهم؟!

​— أنا مرتك، مش الخدامة اللي جيباها عيلتك.

​وفجأة… رن جرس الباب.

​أمي دخلت، ماسكة في إيدها شنطة جلد سميكة، وطلعت منها ملف وحطته على الترابيزة.

​— شريف، الموضوع بسيط ومش محتاج دوشة. بنتي مش هتعيش بالمنظر ده تاني. لو عايزين تدو فرصة للجوازة دي وتصلحوا اللي اتكسر، قدامك عقد اتفاق عائلي: التزامات البيت تتقسم بالنص، القرارات المالية تتاخد بالاتفاق، حدود صارمة للزيارات، ومافيش نسخة مفتاح تطلع لأي حد برة الباب ده إلا بانتظار وموافقة الاثنين. ولو مش عاجبك، من بكرة الصبح ندى تقدر ترفع دعوى خلع أو طلاق للضرر.

​شريف قرا أول صفحة ورمى الملف بعيد.

​— أنتِ ووالدتك جايين تهددوني في بيتي؟!

​— لا —رديت عليه بثبات—. أنا بس بطلت أهدد نفسي بالاستمرار في العيشة دي.

​أمي طلعت ورقة تانية وحطيتها قدامه على الترابيزة.

​كانت عرض الشغل المكتبي اللي كان جالي من ست شهور في الشركة، واللجنة كانت طالباني بالاسم، وأنا رفضته وقتها عشان شريف أصر وقال لي: “لازم تفرغي نفسك لبيتك وجوزك”.

​— العرض ده قدامها لغاية بكرة الساعة تسعة الصبح —أمي قالتها بلهجة حاسمة—. يا إما تثبت إنك راجل بتدور على شريكة حياة بجد، يا إما ندى هتشيل شنطتها وراه.

​شريف بصلي بذهول، كأنه شايف واحدة ثانية خالص غير الست الهادية المطيعة اللي عاش معاها ثلاث سنين.

​وماكانش يعرف إن دي مجرد بداية، وإن اللي هيحصل لو وافق لمجرد إنه يمتص الغضب… هيكون مفاجأة أكبر بكتير.

​الجزء الثاني

​شريف مجمضش عين طول الليل.

​الساعة سبعة الصبح لقيته قاعد في المطبخ والاتفاق محطوط قدامه.

​— الكلام ده يهين أي راجل —قال بصوت واطي—. ده طالع زي لائحة جزاءات للأطفال!

​— اللي يوجع بجد ويهين، لما أكون سخانة ومولودة نار وأسمع أمك بتؤمرني أقوم أعمل تورته لضيوفها.

​بص في الأرض وماطقش كلمة:

​— دي كانت مرة واحدة بس…

​— والمرة دي هي اللي فاكراها كويس وأكتر واحدة توجع.

​مسك القلم عشان يمضي، بس في اللحظة دي جرس الباب رن ثلاث مرات ورا بعض بعصبية.

​نادية.

​وياسمين كانت طالعة في أثرها.

​— إيه التهريج والمهزلة دي؟! —حماتي صرخت في الصالة—. هتسيب الست دي تحطلك شروط وقواعد في بيتك وعلى ملكك؟!

​أمي وصلت بعدها بدقائق معدودة.

​— يا نادية، ده بيت الزوجية بتاعهم هما الاثنين. أنتِ هنا ضيفة، ومن النهاردة مش هتدخلي غير لما الاثنين يعزموكي.

​— أنا دافعة معاه في المقدم وشايلة معاه!

​— تمام، الكلام ده يتحسب ويتوثق في الأوراق لما يجي وقت حسابه، لكن ده ميديكيوش أي حق تحكمي مراته وتعمليها خدامة.

​نادية بصت لشريف وعينيها شرار:

​— يا أنا يا هي في البيت ده!

​مش هنسى نظرة وشه وقتها أبداً. طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إنه مستحيل يتردد أو يقف قصاد أمه، بس الصبح ده كان شكله زي واحد لسة مكتشف إنه كان عايش تحت إمرتها هي كمان.

​مسك القلم… ومضى.

​— أنا اختارت مراتي.

​نادية خرجت ورزعت الباب وراها وهي بتتحسبن.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى