روايات وقصص

قالي ملكيش مكان ليكي في العربية بس اللي حصل..

ابني قالي مفيش مكان ليكي في العربية.
ماجادلتش، خدت شنطتي وركبت القطر لوحدي، وبعد كام ساعة…
الجزء الأول
ماما، مفيش مكان ليكي في العربية. خديكي في البيت وكلي أي حاجة موجودة في التلاجة.
ده كان كلام ابني الوحيد، كريم، وهو بيلف مفاتيح عربيته في إيده قدامي. مراته نيرمين كانت قاعدة جنبه، وولادي الصغيرين يوسف وملك مستنيين ورا، فرحانين عشان رايحين يتعشوا في مطعم مشويات في التجمع.
كنت لابسة بلوفر موف فاتح، كان جوزي الله يرحمه، حسن، جايبهولي في آخر عيد ميلاد لينا سوا.
بصيت لكريم وقلت
يعني إيه مفيش مكان؟
ردت نيرمين من الكرسي اللي قدام وهي بتبتسم ابتسامة باردة
الحجز على قدنا يا طنط سعاد. وبعدين حضرتك بتتعبي بسرعة، خليكي ارتاحي أحسن.
يوسف ضحك ضحكة صغيرة وقال
وتيتة بتاكل ببطء أوي.
ملك كانت ماسكة الموبايل ومش حتى رافعة عينها من عليه.
ماجادلتش.
أنا عندي 68 سنة، واتعودت من كتر اللي شوفته إني أبتسم حتى وأنا من جوايا بتوجع.
قلت لهم بهدوءروحوا اتبسطوا.
العربية اتحركت ومحدش حتى بص وراه.
من خمس سنين، بعد وفاة حسن، كريم هو اللي أقنعني أسيب المنصورة وأروح أعيش معاهم في القاهرة.
وقتها قال لي
أنا مش عايزك تعيشي لوحدك يا ماما. تعالي عندنا، وأنا وإنتِ هنكون جنب بعض.
صدقت ابني.
بعت البيت اللي كنت عايشة فيه حوالي أربعين سنة، واديته مليون و ألف جنيه، على أساس إنه يساعد بيهم في تقليل قسط شقتهم الجديدة.
وكنت محتفظة بس بشقة صغيرة في المنصورة كانت بتاعة أختي، وكام قرش من فلوس حسن كان سايبهم باسمي.
في الأول حسيت إني فعلًا وسط أهلي.
وبعدها الدنيا اتغيرت واحدة واحدة.
بقيت أصحى الساعة خمسة الصبح أجهز الفطار، وأعمل سندوتشات المدرسة، وأغسل الهدوم، وأطبخ، وأوصل يوسف دروسه.
وبعدين بقيت أنا اللي بدفع فواتير، وأساهم في مصاريف المدرسة، وحتى كارت إضافي كانت نيرمين بتستخدمه في مشتريات البيت.
وفي يوم، سألتها عن مبلغ كبير اتسحب من الكارت.
بصتلي باستغراب وقالتطنط سعاد، ما إحنا كلنا عايشين في بيت واحد. طبيعي حضرتك تساعدي.
كريم كان قاعد على السفرة وسمعها.
بس عمل نفسه مش سامع.
من يومها، كلمة شكرًا اختفت من البيت.
لكن اللي حصل ليلة العشا كان آخر حاجة أقدر أستحملها.
دخلت أوضتي، وطلعت شنطة كنت مجهزاها من كام يوم من غير ما حد يحس.
حطيت هدومي، بطاقتي، كشف حساب البنك، عقد الشقة اللي في المنصورة، وصورة حسن.
وأنا بقفل الشنطة، عيني وقعت على كروت تهنئة رأس السنة اللي كانت فوق السفرة.
كل كارت عليه صورة كريم ونيرمين ويوسف وملك.
أنا؟
ولا

كارت واحد كان فيه صورتي.
وفجأة، التليفون الأرضي رن.
كانت سلوى، أخت حسن.
سعاد! يا حبيبتي، أخيرًا سمعتفاكرة إنك لسه في المستشفى!
اتجمدت مكاني.
مستشفى؟! مستشفى إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت
نيرمين قالت إنك تعبانة أوي وإن عندك خرف، وإنك بقيتي ساعات مش عارفة الناس حواليكي.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
قفلت معاها، وبدأت أدور في البيت من غير ما أفكر.
فتحت درج كانت نيرمين بتحط فيه الأوراق المهمة.
وهناك
لقيت ملف باسمي.
إفادة طبية بتتكلم عن حالتي العقلية.
وتقرير معمول كأني مش قادرة أدير حياتي لوحدي.
وجنبه ورق تجهيز لإيداعي في دار رعاية خاصة.
إيدي بدأت تترعش.
قلبت الورق صفحة ورا التانية.
لحد ما لقيت ورقة مكتوب عليها بخط كريم
بعد ما ماما تدخل الدار، ندور على عقود الشقة وحساباتها وأوراق شقة المنصورة.
وتحتها بخط نيرمينبعنا شقة المنصورة، نكمل مقدم الشقة الجديدة.
فضلت باصة للورقة وأنا مش مصدقة.
هما ماكانوش عايزين يعتنوا بيا.
هما كانوا عايزين يطلعوني مش واعية
يدخلوني دار رعاية
وبعدها ياخدوا كل حاجة لسه فاضلة باسمي.
في اللحظة دي، موبايلي طلع إشعار من تطبيق العيلة.
فتحت الإشعار.
كان فيه ميعاد الساعة 9 الصبح تاني يوم.
عنوانه
نقل ماما للدار تفتيش أوضتها قبل ما نخرج.
واللي عامل الموعد كان كريم نفسه.
ابني
كان محدد بالساعة إمتى هينقلني من بيتي، ويفتش أوضتي، ويمسحني من حياته.
وقفت في نص الأوضة وأنا ماسكة الموبايل.
ولأول مرة، فهمت إن خروجي من البيت الليلة دي ماكانش هروب
كان بداية الحقيقة.
بس اللي اكتشفته بعدها عن المليون و ألف جنيه اللي اديتهم لابني
كان أسوأ بكتير مما كنت متخيلة.
الجزء الثانيخرجت من أوضتي وأنا ماسكة الملف بإيدي، لكني ماخدتش الورق كله.
خدت بس صورة من كل مستند.
وخصوصًا الورقة اللي عليها توقيع كريم.
حطيتهم في شنطتي، وقفلتها بهدوء.
الساعة كانت 817 بالليل.
كريم ونيرمين كانوا لسه بره.
وأنا لأول مرة من خمس سنين، حسيت إن البيت ده مش بيتي.
دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، وبصيت على الأكل اللي قالولي كلي أي حاجة موجودة.
ابتسمت بسخرية.
وبعدين لفت نظري ظرف أبيض صغير مستخبي ورا علبة العصير.
كان مكتوب عليه
للسيدة سعاد حسن.
فتحته.
جواه صورة بطاقة الرقم القومي بتاعتي، وصورة من عقد شقة المنصورة.
لكن الحاجة اللي خلت إيدي تتجمد كانت ورقة صغيرة مكتوب فيها
الموعد النهائي مع المحامي الخميس الساعة 11 صباحًا.
وتحتها اسم محامي ماعرفوش.
أيوه.
سكت لحظة، ثم قال
وفي حاجة كان حسن موصيني ما أقولهاش لحضرتك إلا لو حصل ظرف معين.
إيه هو؟
صوته اتغير
الظرف ده حصل بالفعل.
يعني إيه؟
قال جملة واحدة جعلتني أنسى تمامًا إني كنت رايحة محطة القطار
المليون و ألف جنيه اللي حضرتك اديتيهم لكريم ماكانوش فلوس مساعدة في قسط الشقة.
سكت.
أمال كانوا إيه؟
قال
كانوا جزء من مبلغ أكبر بكتير وحسن كان حاطط شرط محدد جدًا لاستخدامهم.
شرط إيه؟
الشرط ده موجود في مستند عندي.
وإيه علاقته بكريم؟
قال
علاقته بيه إن كريم حاول يغيّر المستند ده من غير ما يعرف إن عندي النسخة الأصلية.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، قال
مدام سعاد، ما ترجعيش البيت.
ليه؟
لأنهم لو عرفوا إنك كلمتيني هيبدأوا ينفذوا الخطة اللي كانت مكتوبة لبكرة الصبح.
قفلت المكالمة وأنا ماسكة الشنطة بقوة.
وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة من رقم كريم
ماما، ارجعي البيت فورًا. لازم نتكلم.
وبعدها بثواني وصلت رسالة تانية من نيرمين
إحنا عارفين إنك أخدتي الورق.
رفعت عيني من على الموبايل.
وقتها فهمت إن خروجي من البيت ماعدش سر.
والأخطر
إن فيه شخص ثالث كان عارف كل حاجة من البداية.
وكان مستني اللحظة اللي أكتشف فيها الحقيقة الجزء الثالث
وقفت قدام محطة القطار وأنا مش عارفة أعمل إيه.
كنت متوقعة إن كريم يحاول يقنعني أرجع.
لكن اللي ماكنتش متوقعاه إن نيرمين تعرف إنيبصيت حواليا، وبعدين فتحت الرسالة مرة تانية.
إحنا عارفين إنك أخدتي الورق.
سألت نفسي
إزاي عرفوا؟
هل كانوا بيراقبوني؟
ولا حد كان بيدخل أوضتي من غير ما أعرف؟
قبل ما ألحق أفكر، موبايلي رن.
كان المستشار فؤاد.
مدام سعاد، حضرتك في المحطة؟
أيوه.
كويس. اركبي القطر ومتقوليش لأي حد رايحة فين.
بس أنا محتاجة أفهم.
هتفهمي كل حاجة لما توصلي.
والمحامي بتاع كريم؟
سكت.
هو مش محامي كريم يا مدام سعاد.
قلبي اتقبض.
أمال مين؟
قال بهدوء
محامي الشخص اللي كان حسن مأمن مستقبلك بسببه.
مين الشخص ده؟
قبل ما يرد، سمعت صوت صفارة القطار.
قال بسرعة
اركبي دلوقتي. ولما توصلي المنصورة، افتحي الظرف الأزرق اللي هتلاقيه في الشقة.
ظرف أزرق؟
أيوه.
فين؟
حسن هو الوحيد اللي كان يعرف مكانه.
وقبل ما أسأله، قفل.
ركبت القطار.
طول الطريق كنت باصة من الشباك ومش قادرة أستوعب.
جوزي كان مات من خمس سنين.
ليه كان سايب مستندات؟
وليه ماقالليش؟
وليه المستشار فؤاد قال إن حسن كان مأمن مستقبلي؟
وصلت المنصورة بعد حوالي ساعتين.
نزلت من القطار وركبت تاكسي.
وأنا في الطريق، لاحظت حاجة غريبة.
العربية اللي ورا التاكسي كانت ماشية ورايا من أول المحطة.
حاولت أقنع نفسي إنها صدفة.
غير إن العربية فضلت ورايا لحد ما وصلت للشارع.
طلبت من السواق يعدي الشارع من الناحية التانية.
العربية عدت ورايا.
وقتها تأكدت.
حد بيتابعني.
قلت للسواق
لو سمحت، ماتقفش قدام البيت.
ليه يا حاجة؟
عندي مشوار صغير.
نزلت عند صيدلية قريبة، دخلت من باب وخرجت من الباب الخلفي.
استنيت عشر دقايق.
العربية اختفت.
رجعت لشقتي.
المفتاح كان لسه معايا.
فتحت الباب.
البيت كان زي ما سيبته من سنين.
ريحة المكان خلتني أعيط.
صورة حسن كانت لسه معلقة في الصالة.
قربت منها وقلتونقول إنك أخدتي أوراق تخص كريم.
رجعت خطوتين.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وفجأة افتكرت حاجة.
كان فيه مكان واحد بس حسن عمره ما سمحلي أفتحه.
خزانة حديد صغيرة في المخزن.
جريت ناحيتها.
جربت المفتاح.
فتح.
لكن الخزانة ماكانش جواها فلوس.
ولا ذهب.
كان فيها ظرف أزرق.
وفوقه صورة قديمة ليا أنا وحسن وكريم وهو طفل.
وتحت الصورة ورقة واحدة
قبل ما تفتحي الظرف لازم تعرفي إن كريم مش الشخص الوحيد اللي خان ثقتك.
وقفت قدام الخزانة.
وسمعت الباب الخارجي بيتخبط بعنف.
لكن المرة دي
ماكانش صوت رجل واحد.
كان فيه صوت كريم نفسه.
ماما! افتحي الباب! أنا عارف إنك جوا!
بصيت للظرف الأزرق.
وحسيت إن اللحظة اللي هفتحه فيها
هتغيّر كل حاجة كنت أعرفها عن عيلتي الجزء الرابع
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الظرف الأزرق.
برا، صوت كريم كان بيعلى
ماما افتحي! أنا مش هسيبك لوحدك!
ضحكت بسخرية.
مش هسيبك لوحدك
الجملة نفسها اللي قالها من خمس سنين لما طلب مني أبيع بيتي وأعيش معاه.
فتحت الظرف.
أول حاجة وقعت في إيدي كانت صورة عقد بيع.
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
العقد كان باسم كريم.
لكن المبلغ المكتوب مش مليون و ألف.
كان 4 ملايين و ألف جنيه.
شهقت.
مين دفع باقي الفلوس؟
قلبت الورقة.
لقيت إيصال تحويل بنكي باسم شخص ماعرفوش.
محمود عبدالسلام.
اسم غريب تمامًا عليّ.
تحت الإيصال، كان فيه جواب من حسن.
سعاد، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة وأنا عايش.
قعدت على الأرض.
بدأت أقرأ.المبلغ اللي ساعدنا بيه كريم مش ملكه بالكامل. جزء منه مال خاص بيكي، وجزء تاني أنا حطيته باسمك لحمايتك.
اتنفض قلبي.
أنا عرفت إن كريم داخل في ديون كبيرة، وإن فيه ناس ممكن تستغل اسمه وتضغط عليه. حاولت أحميه، لكني اشترطت إن فلوسك ما تتباعش ولا تتصرف إلا بموافقتك.
وقفت عند السطر الأخير.
لكن في حاجة أخطر لازم تعرفيها
قبل ما أكمل، سمعت صوت المفتاح بيتحرك في باب الشقة.
اتجمدت.
الباب بيتفتح.
حد دخل.
سمعت صوت نيرمين
فتشوا الصالة الأول.
قلبي وقع.
هما معاهم مفتاح!
حطيت الورق بسرعة في الظرف، وخبيته تحت هدومي.
وبعدين جريت للمخزن وقفلت الباب ورايا.
سمعت خطواتهم بتقرب.
كريم قال
ماما مش هتكون خرجت من هنا.
نيرمين ردت
دور كويس. الورق لازم يرجع.
ثم صوت رجل غريب
لو ما لقيناش الورق، الوضع هيبقى أصعب.
عرفت إن فيه شخص ثالث معاهم.
حطيت إيدي على فمي عشان ما أتنفسش بصوت عالي.
وفجأة
سمعت كريم بيقول
أنا قلتلكم إنها مش فاهمة حاجة!
الرجل الغريب رد
المشكلة إنها بدأت تفهم.
سكت كريم.
نيرمين قالت
وإحنا لازم نتصرف قبل ما تكلم المحامي.
تجمدت.
إذن هما عارفين فؤاد.
وبينما أنا مستخبية، سمعت صوت ورق بيتقلب.
ثم قال الرجل
لو سعاد وصلت للمستند الأصلي، كل اللي عملناه خلال الخمس سنين هينهار.
كريم بصوت منخفض
والمستند الأصلي فين؟
الرجل قال
طيب قوليلي دلوقتي.
لأ. مش على التليفون.
ليه؟
لأن في حد كان بيسأل عني من يومين.
سكت.
مين؟
قالت
واحد من طرف كريم.
كريم أول ما سمع اسمه، اتحرك ناحيتي.
قفلت المكالمة.
قال
مين اللي كلمك؟
بصيت له.
مالك؟
بسألك مين.
واحدة اسمها عايدة.
وشه اتغير للحظة.
لحظة صغيرة جدًا
لكن أنا شفتها.
قلت
إنت تعرفها؟
لأ.
رد بسرعة زيادة عن اللزوم.
فؤاد لاحظ نفس الحاجة.
قال بهدوء
كريم، إنت قابلت الحاجة عايدة قبل كده؟
قلت لأ.
محمود فتح الملف.
غريب.
كريم بص له.
غريب إيه؟
محمود طلع صورة قديمة.
حطها على الترابيزة.مالي لأن حسن طلب مني أراقب الحسابات بعد وفاته.
اتجمدت.
تراقب الحسابات؟
قال
حسن كان شاكك إن حد قريب منه بيحاول يوصل لأموالك.
مين؟
محمود بص ناحية نيرمين.
نيرمين انهارت في البكاء.
أنا ماعملتش حاجة!
لكن محمود قال
أنا ما قلتش إنك إنتِ.
سكت لحظة.
ثم أخرج
ملفًا أسود من حقيبته.
الشخص اللي كان حسن شاكك فيه هو كريم نفسه.
كريم صرخ
كفاية!
لكن فؤاد فتح الملف.
قبل وفاة حسن بثلاثة أشهر، عمل تحويلًا ماليًا كبيرًا لحساب أمان باسم سعاد.
قربت منه.
ليه؟
قال فؤاد
لأنه كان متوقع إن كريم يدخل في مشكلة مالية.
بصيت لابني.
وفعلاً دخلت؟
كريم ما ردش.
محمود قال
دخل في ديون.
ثم أضاف
لكن الديون مش هي أسوأ حاجة.
سألت
إيه الأسوأ؟
فتح الملف على صفحة قديمة.ماما نيرمين مش هي المشكلة الحقيقية.
نظرت إلى المرأة التي كانت واقفة في الصالة.
فجأة لاحظت إنها كانت بتسمع المكالمة.
وكان وشها متوترًا.
ثم قال كريم
المشكلة في الشخص اللي موّل كل اللي حصل.
مين؟
قال
شخص أنتِ قابلتيه قبل كده.
مين يا كريم؟
قال اسمًا واحدًا.
اسم جعلني أسقط الهاتف من إيدي.
حسن.
رفعت عيني ناحية التسجيل.
ثم ناحية الصورة.
ولأول مرة بدأت أسأل نفسي
هل حسن
كان بيحميني فعلًا؟
ولا كان هو نفسه مخبي عني أكبر سر في حياتي؟الجزء العاشر
فضلت باصة للموبايل اللي وقع من إيدي.
اسم حسن لسه بيرن في دماغي.
حسن.
إزاي يكون هو الشخص اللي موّل كل اللي حصل؟
جريت على الجهاز وشغلت التسجيل مرة تانية، لكن الملف كان انتهى.
قلت لفؤاد
أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
قال
وهتعرفيها، لكن لازم نرجع خطوة.
بصيت له.
خطوة لفين؟
لأول مرة حسن قابل سامح.
محمود أخرج ملفًا قديمًا.
عندنا نسخة من محضر اجتماع حصل قبل وفاة حسن بسنتين.
فتحه.
وكان فيهكريم كان موجود؟
أيوه.
قلبي اتقبض.
ليه؟
محمود قال
لأن حسن وقتها اكتشف إن فيه مستندات اتسحبت من مكتبه من غير علمه.
قلت
مين سحبها؟
كريم.
سكت.
لكن محمود أضاف
وبعدها رجعها.
ليه؟
لأنه اكتشف إن المستندات مش بتخص أموال حسن.
بصيت له.
بتخص إيه؟
بتخصك إنتِ.
في اللحظة دي، فهمت إن المليون و ألف كانوا مجرد جزء صغير من القصة.
فؤاد أخرج ورقة أخرى.
شوفي دي.
كانت إقرارًا موقعًا من حسن.
قرأته.
كان مكتوبًا
كل ما أملكه من أموال محفوظة باسم سعاد، لا يجوز لأي شخص التصرف فيه إلا بإذنها المباشر.
ارتحت للحظة.
ثم لاحظت التاريخ.
الإقرار كان مكتوبًا قبل وفاة حسن بثلاثة أيام فقط.
قلت
ليه عمل ده قبل موته؟
فؤاد رد
لأن حسن كان حاسس إن فيه حاجة هتحصل.
حاجة إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت محمود
فيه رسالة وصلت.
التفتنا.
كان واقف عند الباب، ماسك ظرفًا جديدًا.
وصلتني من رقم مجهول.
فتحه.
كانت ورقة واحدة
لو عايزة تعرفي ليه حسن حوّل الأموال باسمك، روحي للمكان اللي بدأ منه كل شيء.
وتحتها عنوان.
المستشفى القديم.
نظرت لفؤاد.
عليه.
كريم رفع عينه فجأة.
عليا؟
نيرمين سكتت.
قالت
سامح كان بيقول إن لو الحقيقة ظهرت، كريم هيخسر كل حاجة.
رد كريم بعصبية
وإنتِ صدقتيه؟
كنت فاكرة إن عنده دليل!
تدخل فؤاد
وكان عنده؟
نيرمين هزت رأسها.
بعض الأوراق كانت حقيقية.
سألتهافيه شخصًا آخر كان بيستغل خوف كريم.
بصيت له.
مين؟
أخرج هاتفه.
فتح رسالة قديمة.
ثم قال
الشخص ده هو اللي كان بيطلب من كريم توقيع الأوراق.
كريم أنزل رأسه.
سألته
وقّعت؟
قال بصوت منخفض
أيوه.
ليه؟
كنت مديون.
ولما عرفت إن الورق متعلق بيا؟
حاولت أرجعه.
بس ما رجعتوش.
سكت.
دموعي نزلت.
عشان كده كنتوا عايزين تدخلوني دار رعاية؟
كريم قال
أنا غلطت يا ماما.
غلطت؟
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
الغلط إنك تنسى عيد ميلادي.
سكت.
لكن إنك تحاول تثبت إن أمك مش واعية عشان تتحكم في ممتلكاتها ده مش غلط.
كريم انهار.
كنت خايف أخسرك.
قلت
وإنت اللي خلتني أخسرك.
سادت لحظة صمت.
ثم فؤاد قال
لازم نروح المستشفى القديم.
خرجنا جميعًا.
وصلنا بعد وقت قصير.
المبنى كان قديمًا ومغلقًا منذ سنوات.
دخلنا من باب جانبي.
محمود كان معاه مفتاح.
مشينا في ممر طويل.
وصلنا لغرفة أرشيف قديمة.
فتحنا الباب.
كانت الملفات مكدسة فوق بعضها.
فؤاد قاللازم نلاقي سجل يوم ولادة كريم.
بدأنا ندور.
وبعد دقائق، صرخت نيرمين
لقيته!
أخذت الملف.
فتحت أول صفحة.
اسم سعاد.
اسم حسن.
ثم اسم الطفل.
كريم حسن.
تنفست براحة.
أهو.
لكن فؤاد قال
اقلبّي الصفحة.
قلبتها.
كان فيه تقرير قديم جدًا.
وفي آخره ملاحظة بخط اليد
تم تعديل البيانات بناءً على طلب ولي الأمر.
تجمدت.
ولي الأمر؟
حسن؟
فؤاد قال
غالبًا.
قلبت الصفحة التالية.
وهنا
سقطت ورقة صغيرة من الملف.
التقطتها.
كان مكتوبًا عليها رقم هاتف قديم.
وتحت الرقم اسم
سامح عبدالسلام.
لكن الشيء الذي جعلني أشعر بالدوار
كان الجملة المكتوبة أسفل الاسم
هو يعرف من تكون أم كريم الحقيقية.
رفعت عيني ببطء.
بصيت لكريم.
ثم لنيرمين.
ثم للرجل الواقف أمامنا.
وفهمت إن الحقيقة اللي كنا بندور عليها
مش عن الفلوس أصلًا.
كانت عن أصل كريم نفسه.
لكن قبل ما أقدر أسأل أي سؤال، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
وصوت رجل قال
أخيرًا لقيتوا الملف.
استدرنا جميعًا.
وكان الشخص اللي واقف هناك
شخص أنا أعرفه جيدًا النهاية
رفعت عيني للشخص الواقف آخر الممر، وقلبي كان بيخبط بعنف.
كان الدكتور الذي أشرف على ولادة كريم.
الرجل الذي لم أره منذ أكثر من ثلاثين سنة.
قال بهدوء
أنا عارف إن عندكم أسئلة كتير.
قلتعندي سؤال واحد بس كريم ابني؟
ابتسم بحزن.
أيوه يا مدام سعاد. كريم ابنك أنتِ وحسن، ومافيش أي تبديل أطفال حصل.
اتنفست لأول مرة من غير خوف.
أمال الورقة دي معناها إيه؟
أخذها الدكتور، وبص لها طويلًا.
دي كانت ملاحظة تخص تعديل بيانات إدارية في الملف، وسامح استغلها بعد كده عشان يخوف حسن ويضغط عليه.
بصيت لكريم.
يعني كل السنين دي كنت بتتاجروا بخوف أبوك؟
كريم نزل رأسه.
أنا غلطت يا ماما.
قلت
وغلطتك كانت هتخليني أخسر بيتي وفلوسي وكرامتي.
سكت.
الدكتور قال
حسن اكتشف قبل وفاته إن سامح بيستخدم مستندات قديمة للضغط عليه. لذلك نقل الجزء الأكبر من أمواله باسمك، وطلب من المحامي يحمي حقوقك.
فؤاد أومأ.
والمليون و ألف اللي أعطيتها لكريم كانت أموالك، لكن حسن كان موثق إنها مساعدة مؤقتة وليست تنازلًا عن ملكيتها.
أغمضت عيني.
فجأة فهمت كل شيء.
حسن لم يكن يخدعني.
كان يحاول حمايتي.
أما كريم، فقد سمح لخوفه وديونه أن يحولاه إلى شخص لم أعرفه.
التفت إليه.
أنا مش هكرهك يا كريم.
رفع عيني ببطء.
بس مش هقدر أرجع أعيش معاك.
دموعه نزلت.
ماماقاطعته
أنا أمك، وهفضل أمك. لكن من النهارده هكون مسؤولة عن نفسي.
أما نيرمين، فاعترفت بكل شيء.
اعترفت إنها أخفت المستندات، وإنها كانت تعرف بخطة إدخالي دار الرعاية، وإنها شاركت في تجهيز الأوراق.
لكنها لم تكن تعرف الحقيقة كاملة.
بعدها بأيام، بدأت الإجراءات القانونية.
تم تجميد أي تصرف في ممتلكاتي، واستعدت السيطرة على حساباتي وأوراقي.
أما المليون و ألف، فتم إثبات حقي فيها.
والأهم
إن شقة المنصورة بقيت باسمي.
رجعت أعيش فيها.
أول ليلة، فتحت شباك الصالة، ودخل هواء المنصورة القديم.
حطيت صورة حسن على الترابيزة.
وقلت
فهمت أخيرًا يا حسن.
ثم ابتسمت وسط دموعي.
كنت بتحاول تحميني حتى بعد ما مشيت.
بعد شهر، كريم جاء يزورني.
كان واقف على الباب ومعاه يوسف وملك.
الأطفال جريوا عليّ.
حضنتهم.
كريم وقف بعيد.
قال
ينفع أدخل؟
بصيت له.
ثم فتحت الباب.
ادخل.
دخل.
لكن المرة دي لم يكن داخل بيت شخص يعتقد أن أمه ستسامحه على أي شيء.
كان داخل بيت أمه.
البيت الذي استعادت ملكيته وحياتها وقرارها.
وبعد فترة، بدأ كريم يسدد ما عليه، واعتذر رسميًا عن كل ما فعله.
لم أرجع أعيش معه.
لكنني
لم أغلق الباب في وجهه.
لأنني اكتشفت أن التسامح لا يعني أن تسمحي لأحد أن يؤذيك مرة أخرى.
وأما الجملة التي بدأت بها كل الحكاية
مفيش مكان ليكي في العربية.
فقد أصبحت بالنسبة لي مجرد ذكرى.
لأنني في تلك الليلة لم أركب سيارة.
ركبت القطار وحدي
لكنني رجعت منه وأنا أملك شيئًا أهم من أي سيارة أو مال
رجعت لنفسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى