
أول مرة أحس فعلاً إني غريبة في بيتي ومع جوزي، كانت في يوم جمعة حرّ جداً. كنا معزومين في جنينة فيلا عيلة جوزي في الشيخ زايد. ريحة الفحم والكفتة والطرب مغرقة المكان، والكل بيضحك ومهيص.
جوزي “طارق” واقف جنب الشواية وبيهزر مع أخوه شريف، وبنته “نور” (16 سنة) قاعدة على جنب مع ولاد عمها، ماسكة موبايلها والقمطة المعتادة على وشها أول ما أقرب منها بـ 10 متر. أنا
وطارق متجوزين من 3 سنين، وطول الـ 3 سنين دول ونور مش طيقاني. أنا عمري ما فرضت نفسي عليها، ولا قولت لها أنا مامتك، كنت دايماً في حالي، بفتكر عيد ميلادها، بوديها تمرين الطايرة في النادي، وساعدت طارق في مصاريف تقويم سنانها، ولما كانت بتقدم لأصحابها وتقول “دي مرات بابا” كنت ببتسم وأسكت.
في اليوم ده، حماتي طلبت مني أطلع شفشق عصير ليمون بالنعناع ساقع برة. شيلت الشفشق وبقيت ماشية براحة عشان ميتدلقش. فجأة نور رجعت بضهرها وهي بتضحك وبتبص في الموبايل، وأنا في نفس اللحظة كنت بتفادى الطاولة، فكتفي لمس كتفها لمسة خفيفة جداً.
الشفشق اتهز في إيدي والثلج خبط ببعضه. وقبل ما أنطق وأعتذر، لقيتها لفت ولطمت وصوتت فيا قدام العيلة كلها:
”إنتي إزاي تمدي إيدك عليا؟! أوعي تلمسيني تاني أبداً!”
الشارع كله سكت، وكل اللي في الجنينة برّقوا.
أنا اتسمرت في مكاني: “يا نور أنا أسفة، مأخدتش بالي والله.”
دموعها نزلت في ثانية كأنها ممرنة عليها: “إنتي علطول بتعملي كدة! بتستغلي إن مفيش حد واخد باله وتضايقيني وتزقيني!”
بطني وجعتني من الصدمة. طارق ساب الملاقط بتاعة الشوي وجاي عليا وشه مقلوب غضب. بصلي ببرود وقال:
“يا تعتذري لها دلوقتي حالا يا إما تاخدي بعضك وتمشي.”
الدنيا لفت بيا. بصيت لحماتي لقيتها نزلت عينيها في الأرض. بصيت لنور لقيتها رافعة راسها وبتتحداني.
بصيت لطارق وقولتله: “أنت بجد مصدق إني ممكن أزق بنتك؟”
سكت ومردش.
السكوت ده كان فيه كل الإجابات اللي محتاجاها.
حطيت شفشق الليمون على الترابيزة، قلعت الغويشة الذهب اللي كان جيبهالي في أول عيد جواز لينا وحطيتها جنب الأطباق الفبر، وأخدت مفتاح عربيتي ومشيت من سكات من غير ما أنزل دمعة واحدة.
أنا ملمتش حاجتي بعصبية لما وصلت البيت.. أنا لمتها بذكاء وهدوء:
جمعت كل ورقي الرسمي واللاب توب بتاعي والهارد ديسك.
أخدت الملف الأسود الصغير اللي كنت مخبياه بقالي 8 شهور.
كلمت نجار يغير كالون الشقة.
وعلى ما طارق ونور رجعوا بالليل، كان البيت هس هس، نور الشقة مطفي، وفي نص سفرة الصالون مغلف أبيض كبير مكتوب عليه بخطي: طـارق.
مش حبيبي، مش طارق جوزي.. طارق وبس.
الجزء الثاني: الصدمة اللي كانت مستنياهم على السفرة
طارق افتكر إن الجواب ده فيه كلمتين عتاب ودموع واعتذار.. بس طبعاً لأ.
دخل المطبخ وفتح الظرف ونور واقفة جنبه بابتسامتها الشمتانة. الظرف كان جواه تلات حاجات:
صورة من دعوى خلع وإنذار بعدم التعرض.
كشف حساب بنكي رسمي بيوضح التحويلات اللي طارق كان بيعملها من حسابنا المشترك لحسابه الشخصي من ورايا.
جواب رسمي من مكتب المحامية بتاعتي، أستاذة “نهى”.
وش طارق جاب ألوان قبل ما يخلص أول فقرة. نور لاحظت وقالتله: “بابا؟ في إيه؟”
مردش عليها وقالها: “اطلعي على أوضتك.”
”مش هطلع، في إيه في الورق ده؟”
”مفيش، “مي” بتستهبل وتعمل حركات.”
بس صوته كان بيرعش. البيت اللي واقفين فيه ده مش بيت عيلة طارق ولا ورثه.. البيت ده أنا اللي دافعة مقدمه بالقرش، واسمي مكتوب في عقد الشقة بالشراكة بالنص.
وطول السنتين اللي فاتوا، طارق كان بيسحب فلوس من ورانا ويحولها لحسابه الخاص تحت بند “تصليحات، مصاريف مدرسة لنور، تأمينات”. بس هو نسي إني محاسبة، وأفهم ألاعيب البنوك دي كويس أوي.
أنا كنت ساكتة وبجمع أدلة بقالي 8 شهور لما اكتشفت كشف حساب مبعوت بالغلظ للبيت وعرفت خطته: طارق كان ناوي يجدد القرض بضمان الشقة وباسمي وبمرتبي، وياخد السيولة دي يشتري بيها شاليه في الساحل الشمالي باسم بنته نور لما تتم 18 سنة.. بفلوسي أنا! ولما كنت بلمح له عن الفلوس، كان يضحك ويقولي: “إنتي بتدققي في الماديات أوي يا مي، إحنا واحد.”




