روايات وقصص

عشان فلاحة

كنت واقفة في صالة المطار، ماسكة شنطتي القديمة بإيدي اللي بتترعش، وببص حواليا بذعر.. الناس كلها بتجري، لغات غريبة، وأشكال غريبة، وأنا مش فاهمة أي حاجة.. ألتفتّ يمين وشمال بدور على “أحمد” جوزي.. لسه واصلة حالا من البلد، وهو كان مستنيني، أو المفروض كان مستنيني..

 

وقفت أكتر من أربع ساعات في نفس المكان، ورجلي مبقتش شيلاني. طلعت الموبايل الصغير اللي معايا وحاولت أتصل بيه، الخط كان بيديني “غير متاح” أو بيكنسل عليا.. دموعي نزلت غصب عني، ومبقتش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين، لحد ما الموبايل رن.. فتحت بسرعة وأنا بسبق دقات قلبي:

“أحمد! أنت فين يا أحمد؟ أنا واقفة في المطار ومش عارفة أتحرك!”

رد عليا بصوت بارد، خالي من أي رحمة أو لهفة:

“أنا مش جاي يا ندى.. ومتحاوليش تدوري عليا.”

برقت عيني بصدمة وقلت:

“مش جاي إيه؟ أنت بتهزر صح؟ طب أنا هروح فين في البلد الغريبة دي؟ أنا مجمعتش قرش واحد ومعيش غير الشنطة دي!”

سمعت ضحكة سخرية منه وهو بيقول:

“أنا مبهزرش.. أنا سبتك هنا عشان تطلبي ترحيل وترجعي لبلدكم.. أنا مستحيل أعيش معاكي هنا، أنا مهندس مرموق وفي وسط مجتمع راقي، وعندي صحاب وأشغال.. مستحيل أظهر قدامهم وبإيدي واحدة “فلاحة” زيك.. لبسك، طريقتك، جهلك.. كل حاجة فيكي بتكسفني.. أنا اتجوزتك بس غصب عني عشان أرضي أبويا قبل ما يموت، ودلوقتي أبويا مات، وأنا حر.. مع السلامة يا ندى.”

الخط قفل.. والنغمة فضلت تتردد في ودني زي الخنجر.. “عشان فلاحة!”.. الكلمة دي زلزلت كياني.. قعدت على الرصيف في المطار ودفنت وشي بين إيديا وفضلت أعيط بحرقة.. الناس بتمر من جنبي اللي بيبص بشفقة واللي مش مهتم.. كنت حاسة إن الدنيا اسودت في وشي وخلاص دي نهايتي..

في وسط دموعي، لقيت إيد حنينة بتتمد لي بمنديل، وصوت هادي بيقول باللغة العربية:

“يا بنتي.. مالك؟ إيه اللي مقعدك كدة وبتعيطي ليه؟”

رفعت راسي ولقيت سيدة وقورة، باين عليها الغنى والطيبة، ومعاها شاب طويل لابس بدلة أنيقة.. حكيت لها وأنا بشهق من كتر العياط كل اللي حصل.. الست دي كان اسمها “الحاجة فاطمة” وهي سيدة أعمال مصرية عايشة هناك، والشاب ده كان ابنها “طارق”.

الحاجة فاطمة اتأثرت جداً بدموعي، وقالت بغضب من جوزي:

“حسبي الله ونعم الوكيل فيه! مفيش راجل يعمل كدة في بنت بلده ويرميها الرمية دي.. قومي معايا يا بنتي، والله ما هسيبك لوحدك.”

أخدتني معاها بيتها، بيت كبير وزي القصور.. في الأول كنت مكسوفة وخايفة، بس هي عاملتني كأني بنتها.. بعد كام يوم من الراحة، قعدت معايا وقالت لي:

“بصي يا ندى.. الدموع مش هترجع لك حقك، والضعف هيخلي الناس تدوس عليكي.. الزمان ده مبيحترمش غير القوي.. إنتِ لسه صغيرة، عيونك ذكية، وأنا هساعدك.. بس بشرط، تنسي ندى الضعيفة وتبدأي من جديد.”

ومن هنا بدأت رحلة التحول..
الحاجة فاطمة قدمت لي في كورسات لغات، وكورسات لإدارة الأعمال وتنسيق المظهر.. كنت بشتغل وبدرس 18 ساعة في اليوم.. كنت بفتكر كلمة أحمد “عشان فلاحة” فـ تتحول الكسرة اللي جوايا لطاقة وتحدي..
مرت سنة.. ورا سنة.. ورا سنة.. 5 سنين كاملين..

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى