روايات وقصص

الذاكرة

الجزء الأول: الشارع ملوش ملامح أنا واقفة في وسط الشارع. العربيات بتعدي من جنبي بسرعة، أصوات الكلاكسات عالبة، والناس بتتحرك في كل حتة.. بس أنا واقفة ثابتة. في حاجة غلط. ببص لإيدي، شكلها إيد واحدة في الثلاثينات من عمرها، بس مش عارفاها. ببص في مراية عربية مركونة.. الملامح دي بتاعتي؟ مش فاكرة. أنا مين؟ اسمي إيه؟ جيت هنا إزاي؟

 

الفراغ اللي في دماغي مرعب، زي صفحة بيضا ممسوح منها كل سطر. الخوف بدأ ينهش في صدري، دقات قلبي بقت مسموعة وسط زحمة الشارع. مشيت وأنا مش عارفة رجلي مودياني فين، كل وشوش الناس غريبة، كل اليفط بلغة أنا عارفاها بس مش قادرة أربطها بمكان.

وفجأة.. لقيت إيد بتتمد وتشدني من كتفي بقوة.

لتفتّ مخضوضة. كانت بنت، ملامحها قريبة من سني، في الثلاثينات برضه. عينيها كانت واسعة من الصدمة، ودموعها نزلت في ثانية أول ما شافتني. حضنتني جامد وهي بتصرخ:

“داليا! مش ممكن! إنتي فين من زمان؟ قلبنا الدنيا عليكي!”

أنا جسمي خشب. مكنتش قادرة أبادلها الحضن. زقيتها بالراحة وأنا برجع لورا وبقول بصوت مرعوش:

“أنا.. أنا مش داليا. إنتي مين؟”

البنت اتصدمت، ضحكت بوجع وقالت:

“مش داليا إزاي؟ بتهزري صح؟ أنا هبة، صاحبة عمرك! إيه الهزار الرخم ده يا داليا؟”

هزيت راسي وبدأت أعيط:

“والله ما بهزر.. أنا مش فاكرة اسمي، مش فاكرة أنا مين أصلاً! أنا صحيت لقيت نفسي في الشارع ده ومش فاكرة أي حاجة!”

هبة ملامحها اتقلبت رعب. مسكت إيدي وقالت:

“فقدان ذاكرة؟ طب تعالي معايا، تعالي نروح البيت أو المستشفى.”
سحبت إيدي منها بسرعة وشكي زاد:

“طب وريني طيب! معاكي صورة ليا وليكي؟ معاكي أي إثبات إننا نعرف بعض؟”

هبة بقلق وهي بتقلب في شنطتها:

“موبايلى القديم اللي عليه كل صورنا اتسرق من أسبوع، والجديد لسه منزلتش عليه حاجة.. بس والله العظيم إنتي داليا! أنا مستحيل أغلط في وشك.”

الكلام مكنش كفاية. دماغي كانت بتقولي “ماتثقيش في حد”. سبتها وجريت.. جريت بأقصى سرعة عندي وسط الوشوش الغريبة، وهي بتنادي ورايا: “يا داليا استني!” بس أنا مكنتش سامعة غير ضربات قلبي.

الجزء الثاني: صدمة العمر
العمر بيمشي، وأنا بقيت بلف في الشوارع زي المجنونة. تعبت، قعدت على رصيف في حتة هادية شوية، حاطة راسي بين الركب وبحاول أفتكر.. أي لقطة، أي صوت، أي ريحة.. مفيش، ضلمة كاملة.

وفجأة، سمعت صوت خطوات صغيرة بتجري ناحيتي. قبل ما أرفع راسي، لقيت جسمين صغيرين بيترموا في حضني. ولد وبنت، مش مكملين 7 أو 8 سنين.
الولد كان بيعيط بهستيريا وهو ماسك في هدومي:

“ماما! إنتي جيتي فين؟ متسيبناش تاني يا ماما!”
والبنت الصغيرة بتدفن وشها في حضني وبتشهق:

“وحشتيني أوي يا ماما.. بابا قالنا إنك سافرتي بس أنا كنت عارفة إنك هترجعي.”

اللحظة دي كانت زي الصاعقة. ريحة الأطفال دي.. في حاجة جوايا اتهزت، بس عقلي كان لسه رافض. أنا أم؟ دول ولادي؟ طب ليه مش فاكراهم؟ الخوف من المجهول خلاني أبعدهم عني براحة وأنا بترعش:

“يا حبيبي إنت وهي.. أنا.. أنا مش مامتكم. انتوا مشبهين عليا.”

الولد بصلي بعيون مكسورة :

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى