مرام… لما ينصفك القدر
في أحد أحياء القاهرة الشعبية عاشت أحلام حياة هادئة مع زوجها محمود رجل طيب القلب وخلوق يعمل موظف بسيط وكانوا بيحبوا بعض حب كبير. وبعد سنين من الزواج ربنا رزقهم بتوأم منار ومرام. لكن سبحان الله رغم إنهم توأم إلا إن شكلهم كان مختلف تماما. منار كانت بيضاء شعرها ناعم وملامحها تشبه أمها. أما مرام فكان لون بشرتها أغمق وورثت ملامح والدها وده خلا بعض الناس يعلقوا بكلام مؤذ زي إزاي دول توأم أو دي جميلة ودي لأ! رغم إن كل بنت فيهم كان لها جمالها الخاص اللي ربنا اختاره ليها.
للأسف الدنيا مبتديش كل حاجة وبعد فترة قصيرة حصلت المفاجئة.. توفى محمود فجأة وسابت أحلام شابة صغيرة ومعاها بنتين عمرهم لسه شهور. عدت الشهور وأحلام حاولت تكون قوية عشان بناتها لكن الوحدة كانت تقيلة والدنيا صعبة والعروض على الزواج بدأت تيجي. الكل شايف إنها لسه صغيرة ومينفعش تفضل كده. وبعد تفكير قررت أحلام إنها تبدأ حياة جديدة واتجوزت راجل مطلق اسمه مدحت مكنش عنده أولاد وكان باين عليه إنه محترم.
قبل الفرح بكام يوم أحلام قعدت مع أمها وكانت البنتين نايمين جنبهم
أحلام بصراحة يا ماما قررت آخد منار معايا بعد الجواز بس مش هاخد مرام
الأم بصدمة إزاي يا أحلام! إزاي تفرقي بين ولادك! دي بنتك!
أحلام بهدوء أنا مش بقول هارميها هتفضل معاكي وإنتي أحن واحدة عليها بس أنا مش قادرة آخدها معايا.. مدحت ملوش في العيال ومنار شكلها أحسن.. وعايزة أبقى مرتاحة في بيتي الجديد.
ما كانتش أحلام تعرف إن مرام كانت صاحية وسمعت كل كلمة. كانت متلحفة تحت البطانية ودموعها نازلة بهدوء قلبها الصغير مش مستوعب إن أمها بتختار أختها وتسيبها هي.
وفي يوم الفرح فعلا أحلام خدت منار وراحت بيتها الجديد وسابت مرام عند جدتها اللي حاولت بكل طاقتها تعوضها لكنها كانت بتشوف الحزن في عيونها كل يوم.
مرام كانت بتنام وتصحى على سؤال واحد ليه ماما ماخدتنيش! هو أنا مش كفاية!
مرت الأيام ومرام بقت بتكبر شوية بشوية في بيت جدتها اللي كانت بتحبها جدا وبتعاملها كأنها بنتها. لكن في قلب مرام كان فيه فراغ كبير فراغ اسمه حضن الأم.
كانت كل ما تشوف منار جاية تزورهم بتحاول تضحك تتحكم في مشاعرها بس دايما عينيها كانت بتفـــ,,ــضحها.
في مرة بعد زيارة قصيرة من منار دخلت مرام أوضتها وقعدت تبكي بهدوء ماكنتش
عايزة جدتها تشوف دموعها. لكن الجدة دخلت فجأة وشافت الحزن في عيون حفيدتها.
الجدة مالك يا مرام
مرام بصوت مهزوز أنا بحب ماما.. بس هي مش بتحبني!
حضنتها الجدة وقالت وهي بتمسح دموعها
لا يا حبيبتي مامتك بتحبك بس ساعات الناس بتتصرف غلط ومش بيبقوا فاهمين اللي بيعملوه.
ومن اليوم ده الجدة قررت إنها تعمل حاجة مهمة جدا راحت لمدرسة طيبة اسمها الأستاذة رجاء كانت جارتهم وطلبت منها تهتم بمرام في الدراسة.
الجدة مرام بنت ذكية جدا وشايلة حزن كبير جواها محتاجة اللي يؤمن بيها ويشوف فيها الأمل.
الأستاذة رجاء كانت ست محترمة جدا مش معاها أولاد وقلما كانت تبتسم بس أول ما شافت مرام حست بحاجة غريبة.. كأنها شافت بنتها اللي كانت بتحلم بيها.
من اليوم ده بدأت علاقة خاصة جدا تتكون بين مرام والأستاذة رجاء اللي ما كانتش بس مدرسة دي كانت أم تانية وصديقة ومصدر أمل.
كانت بعد كل حصة تقعد معاها تحكي لها عن الناس اللي تعبوا ونجحوا وعن البنات اللي تحدوا الصعاب وبقوا نجمات في السما كانت بتقولها
رجاء العلم هو سلاحك يا مرام وهو اللي هيغير حياتك.. خليكي قوية وما تبصيش وراكي أبدا.
ومع
الأيام مرام بدأت تتغير بقت أقوى أكثر تركيز بقت تحب الكتب والمدرسة وتحلم تبقى حاجة كبيرة تفرح جدتها وتخلي أمها تفتخر بيها.
كبرت مرام وبقت في الصف التاني الثانوي وطول الوقت كانت بتتفوق في دراستها. الأستاذة رجاء كانت دايما في ضهرها بتشجعها وبتشتري لها الكتب وبتقعد تذاكر معاها بالساعات.
في نفس الوقت كانت أحلام أم مرام بتمر بأيام صعبة في بيتها وبتشتكي لأمها إن منار مش بتسمع كلامها وإن زوجها بقى عصبي والدنيا مش مستقرة.
وفي يوم دخلت أحلام على بيت أمها وهي مرعوبة
أحلام ماما منار مش لاقياها! مشيت من البيت ومش عارفة راحت فين!
الجدة اتوترت ومرام من بعيد كانت سامعة الكلام قلبها اتقــ,,ــبض على أختها رغم كل اللي حصل زمان إلا إن الدم مابيبوظش.
وبعد ساعات طويلة من القلق رجعت منار وكانت حالتها غريبة ساكتة ومش بتتكلم.
حاولت أحلام تعرف منها راحت فين لكنها رفضت تحكي وفجأة الأمور اتصعدت زوج أمها انفعل وابتدى يزعق وخرج سايب البيت كله متوتر.
وفي يوم جت صديقة لمنار وقالت لأمها
الصديقة منار بتروح أماكن مش كويسة وبترجع متأخر جدا وده خطر عليها.
أحلام اتصدمــ,,ــت وقررت تحــ,,ــبس
بنتها في البيت.
لكن الحقيقة إن منار كانت بدأت تنزلق في طريق صعب وخرجت عن السيطرة.
في الوقت اللي كانت فيه أمها مشغولة في مــ,,ــشاكلها كانت مرام بترتب أوراقها عشان تدخل سنة مصيرية الثانوية العامة.
في يوم جميل نجحت مرام بتفوق في الصف التاني الثانوي وجت الأستاذة رجاء تحمل لها هدية صغيرة وقالت لها بابتسامة كبيرة
رجاء شدي حيلك بئا يا مرام السنة الجاية حلمك هيبدأ يتحقق.. حلم جدتك وحلمي أنا كمان.
كانت دي لحظة فرح نادرة في حياة مرام بس للأسف الفرحة ما طولتش
بدأ اليوم عادي جدا مرام صحيت بدري كعادتها رتبت البيت وجهزت الفطور وراحت تنادي على جدتها.
لكن الجدة ما ردتش مرام افتكرت إنها نايمة بعمق حاولت تصحيها تاني لكن لا صوت لا حركة لا نفس.
قلبها اتقبض جرت بسرعة على جارتهم اللي دخلت مع مرام
وقلبت الجدة ثم نظرت لمرام بحزن
الجارة البقاء لله يا بنتي جدتك راحت لربها.
الخبر نزل على مرام كالصاعقة.
قعدت على الأرض تبكي مش قادرة تستوعب ومفيش حضن يحتويها ولا كلمة تطمنها.
اتجمع الناس وأحلام جات مع منار وبعض الأقارب بس ماكنتش عزاء كان وداع آخر.
وبعد أيام أحلام قررت تمشي
هي ومنار وسابت مرام تاني.
قالت للجارة قدام الكل
أحلام خلي بالك من مرام أنا مش هقدر أخدها دلوقتي عندي ظروف كتير وهي خلاص بقت كبيرة.
مرام بنبرة مكتومة ما تخافيش يا ماما هقفل الباب كويس زي المرة اللي فاتت.
نزلت دمعة ساخنة على خدها مش من العتاب من الحنين.
مرت أيام قليلة ومرام بتحاول تبان قوية لكنها كل يوم بتمشي على أطراف الذكرى وبالليــ,,ــل تبكي وهي بتبص للسرير اللي فاضي سرير جدتها.
وفي ليلة ممطرة وهي قاعدة في الصالة بتفكر هتعمل إيه جرس الباب بيرن
مرام بتقوم تفتح وإذا بيها تلاقي وش مألوف وش طيب وش طالما احتضنها بكل حب.
الأستاذة رجاء!
مرام ارتمت في حضنها بكت بكاء الطفل اللي تايه ومش لاقي أمان.
رجاء اهدي يا بنتي أنا جاية مخصوص ليكي عندي خبر مهم.
مرام خير يا ماما رجاء
رجاء جدتك جاتلي قبل ما تتوفى بأسبوع قالتلي إنها حاسة إن أيامها قربت تخلص ووصتني عليكي وقالتلي إنها مش عايزاكي تروحي عند والدتك لأنها خايفة عليكي وسابتلك أمانة.
وفتحت رجاء علبة صغيرة كان فيها عقد دهب جميل محفور عليه أول حرف من اسم مرام.
مرام مسكت العقد وانهارت في البكاء مش على الهدية على الحب على الإحساس إنها مش لوحدها.
رجاء يلا يا مرام لمي هدومك كتبك تعالي تعيشي معايا أنا وجوزي. إحنا وحيدين ووجودك هيكون بركة في بيتنا.
مرام حاولت ترد لكنها
ماقدرتش كانت مش مصدقة إن فيه حد لسه شايفها بنت تستحق الحب.
دخلت مرام البيت الجديد لقيت أوضتها جهزاها ليها مخصوص ســ,,ــرير نضيف مكتب للمذاكرة دولاب صغير مرتب ولأول مرة تحس إنها في بيتها فعلا.
الأستاذة رجاء عاملتها كأنها بنتها وزوجها كان راجل محترم جدا بيهتم بيها بيسألها محتاجة حاجة
كان بيوصلها للدروس وبيتمنى لها الخير.
ابتدت سنة الثانوية العامة والأستاذة رجاء كانت أكتر واحدة حريصة على نجاح مرام.
رجاء السنة دي يا مرام هي اللي هترسم مستقبلك. وأنا هكون جنبك خطوة بخطوة.
وفعلا مرام اجتهدت وبقت تذاكر ليل نهار.
ما كانتش بتخرج غير للدروس وكل وقتها للمذاكرة الأستاذة رجاء موفرة لها كل حاجة.
وفي آخر السنة خلصت الامتحانات وكانت مرام قلقانة جدا.
يوم النتيجة كان مختلف الجو في البيت كله توتر رجاء بتدعي وزوجها بيتابع الإنترنت لحظة بلحظة.
وفجأة خرج من الأوــ,,ــضة وبيصرخ فرحان
الزوج يا مرام! يا رجاء! مرام طلعت التالتة على المحافظة!
صرخة فرح انطلقت والأستاذة رجاء حضنت مرام وهي بتبكي بس البــ,,ــكاء المرة دي كان بكــ,,ــاء فرح.
دخلت مرام كلية الطب حلم الجدة اتحقق حلم رجاء اتحقق والأهم من كده مرام بدأت تحب نفسها وتشوف قيمتها الحقيقة.
في سنة رابعة كلية توفى زوج الأستاذة رجاء وساب وصية بإن
نص ثروته تروح لمرام وقال
هي بنتنا اللي ما جابتناش الأيام بس ربنا بعت لنا رزقها.
مرام انهارت يومها وقالت لرجاء
مرام أنا مهما عملت مش هقدر أوفيكي حقك يا أحن أم.
رجاء إنتي أجمل هدية في حياتي يا مرام.
مرام اتخرجت واتعينت في الجامعة معيدة وفضلت تشتغل وتتفوق لحد ما جالها نصيبها
دكتور محترم اسمه عادل حبها واتجوزها ومرام اشترطت
أمي رجاء تعيش معانا في بيتنا ليها جناحها وليها كل احترام.
ووافق دكتور عادل بكل حب.
في صباح يوم هادئ خرجت مرام مع زوجها دكتور عادل رايحين المستشفى.
كانوا ماسكين إيد بعض يتكلموا ويضحكوا وعيونهم مليانة رضا.
مرام قالت له وهي بتبص له بحنان
الحمد لله كنت فاكرة إن مفيش أمل بس ربنا عوضني بكل شيء.
وصلوا المستشفى ولسه نازلين من العربية جريت عليهم ممرضة مرتبكة
دكتور عادل في حالة طارئة! بنت صغيرة اتعرضت لحــ,,ــادث وإصابتها خطيرة جدا!
دخل دكتور عادل على طول غرفة العناية ومرام لحقت به بعد دقائق.
الممرات مليانة أصوات خطوات سريعة والدكاترة في حركة متواصلة وكل العيون مشغولة بالحالة الجديدة.
مرام دخلت العناية المركزة ووقفت فجأة مكانها عينيها اتسعت قلبها وقع في رجليها!
يااااااه! دي منار!!!
أختها اللي ما شافتهاش من سنين أختها اللي رغم البعد كانت دايما
في دعواتها.
جريت مرام ناحيتها بس جسم منار كان مرهق جدا ومغمى عليها.
دكتور عادل قرب منها وقال بصوت هادي حزين
حاولنا كتير بس للأسف راحت!
مرام وقفت سكتت وبعدين خرجت بسرعة من الغرفة والدموع نازلة بحرقة
كل الذكريات رجعت مرة واحدة
أيام الطفولة ليلة الفراق كلام أمها وهي بتختار منار وصوت الجدة وهي بتحاول تطبطب على قلبها الصغير.
بس اللحظة دي كانت مختلفة لحظة الوداع بدون سلام.
مرام خرجت من العناية لقت ست كبيرة قاعدة على كرسي بره باين عليها التعب والندــ,,ــم عينيها حمرا من البكا ووشها شاحب
قربت مرام منها وبهدوء حطت إيدها على كتفها
الست رفعت وشها
مرام!!
كانت أحلام أمها!
أحلام ما كانتش مصدقة
إنتي دكتورة!
مرام وهي بتبص لها بعينين فيها وجع وفرحة وسنين حرمان
أيوه يا ماما أنا كبرت.
قعدت مرام معاها هدتها ومسكت إيديها وحكيت لها كل اللي مرت بيه من يوم ما سابت البيت
عن جدتها عن الأستاذة رجاء عن التعليم عن النجاح وعن الحب اللي لقته بعيد عن حضنها.
أحلام فضلت تبكي وتقول
سامحيني يا مرام أنا غلطت ودفعت التمن بنتي التانية راحت مني والتمن كان غالي.
مرام قالت بكلمات بسيطة لكنها كانت كفيلة تشفي سنين وجع
أنا مسامحة وأنتي أمي.
رجعت مرام بأمها للبيت وطلعت بيها للشــ,,ــقة اللي فوق
أستاذة
رجاء استقبلتها ومرام قدمت أمها
دي أمي يا ماما رجاء والنهارده أنا محتاجة إن حضنك يكون كبير كفاية لينا احنا الاتنين.
رجاء حضنت أحلام وقالت
الماضي خلص واللي جاي كله خير
إن شاء الله.
ومن اليوم ده عاشت أحلام في البيت وبدأت تتقرب من بنتها وتعتذرلها كل يوم بالفعل قبل الكلام.
مرام كانت بتشيل عنها وتحبها وتعلمها حاجات جديدة وفي مرة وهي بتشرب معاها الشاي قالت لها
عارفة يا ماما رغم كل حاجة أنا عمري ما كرهتك. كنت بس بدور على حضنك.
الفصل الثاني عشر الختام بداية جديدة
مرام بقت دكتورة ناجحة محبوبة زوجها بيحبها وأمها جنبها وأمها التانية رجاء فخورة بيها.
وفي يوم احتفال تكريم في المستشفى تم استدعاء مرام علشان تكرم ضمن أفضل الأطباء الشباب.
وقفت على المسرح وسط تصفيق كبير وابتدت تتكلم
أنا واقفة النهارده مش لوحدي أنا واقفة بفضل ربنا وبفضل ستين جدتي اللي ربتني وأستاذتي ا

