أخبار

رسالة أمي من دار المسنين

إني مأشربش الشاي، وبقيت أدلقه من وراها في الحوض، وبدأت أمثل إني بنسى فعلاً عشان تتقي شري ومتأذيكش أنت وعيالك.
​فاكر يوم المطبخ لما قولتلك إني جعانة؟ نهى هي اللي دخلت ورايا وقالتلي بكلام يسم البدن: ‘مفيش أكل ليكي انهارده يا عجوزة يا كركوبة لحد ما أحمد يرجع، عشان يحس إنك بقيتي عبء’. ولما أنت جيت، حطت الأكل بسرعة وقالتلك إني لسه واكلة عشان تطلعني كدابة ومجنونة قدامك!
​وفاكر يوم الغسيل والملايات؟ نهى هي اللي رمت الغسيل في الأرض وقطعت الملايات بإيدها وصوتت، ولما أنا دخلت اتصدمت، راحت قايلالي: ‘أهو المشهد ده اللي هيخلي أحمد يرميكي بره البيت الليلة’.
​أنا مشيت يا أحمد بمزاجي.. مشيت عشان أشتريلك راحتك وراحة عيالك، وعشان بيتك ميتخربش. بس مكنش ينفع أمشي وأسيبك عايش مع حية في بيت واحد وإنت مش عارف. خفت تظلمني وتفتكر إن أمك كانت مسببالك نكد.. أنا سبتلك الجواب ده مع عم محمد البواب، وحلفته على المصحف ما يديهولكش ولا يحطه تحت الباب إلا الساعة 7 الصبح بعد ما أكون مشيت وسبت البيت تماماً.
​خد بالك من نفسك يا ابني، وخد بالك من عيالك.. أمك اللي بتحبك ودعياالك لآخر نفس في عمرها.”
​المواجهة الحذرة.. التخطيط الهادئ
​الرسالة خلصت.. وأنا حاسس إن روحي هي اللي بتخلص. النفس بقيت أخده بصعوبة، وكأن جبل كبس على صدري. الغضب كان هيحرقني، وكان في مارد جوايا عايز يقوم يهد البيت فوق دماغ نهى. بس فجأة، افتكرت كلام أمي: “خفت تتبلى عليكي وتخرب بيتك وتحرمك من عيالك”.
​لو واجهتها دلوقتي وزعقت وطردتها، هتاخد العيال وتجري على بيت أهلها، وممكن ترفع قضايا وتتهمني بالجنون أو تتبلى عليا وتضيع عيالي.. الحية دي ذكية ومخططة لكل حاجة، ولازم أكون أذكى منها عشان أجيب حق أمي وحق عيالي بالقانون ومن غير ما أخسرهم.
​بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أهدي ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. كرمشت الجواب في جيبي بسرعة، ورسمت على وشي علامات التعب والدوخة، وقولت لنهى بصوت مجهد وممثل: “مفيش يا نهى.. ده هبوط حاد من قلة النوم والضغط بتاع انبارح.. والورقة دي إعلان تافه من شركة إبادة حشرات حد رماها من تحت الباب”.
​نهى بصتلي بشك، بس ملامح التعب الحقيقية اللي على وشي خلتها تصدق. طبطبت عليا وقالت: “سلامتك يا حبيبي.. طب قوم ارتاح شوية وأنا هعملك كوباية ليمون دافي”.
​أول ما دخلت المطبخ، قمت جري على أوضتها.. بدأت أدور بهستيريا بس بذكاء ومن غير ما كركب المكان.. في علب المكياج، ورا المنظم، لحد ما لقيت علبة دواء صغيرة مخبية في شريط ستان.. سحبتها وبصيت للاسم.. هو نفس الاسم اللي أمي كاتباه في الجواب! دواء مخدر ومهدئ جدول!
​أخدت العلبة في جيبي، وطلعت تلفوني، وكلمت صاحبي “شريف” المحامي.. حكيتله الحكاية في دقيقتين وأنا بترعش.. شريف قالي بلهجة حاسمة: “أحمد.. متواجههاش بأي حاجة دلوقتي.. انزل فوراً روح لعم محمد البواب وخليه يشهد معاك، واطلع على قسم الشرطة واعمل بلاغ شروع في قتل وتسميم، وقدم علبة الدواء والجواب كأدلة.. وإحنا هنتحرك فوراً عشان نعمل تحليل سموم لوالدتك في المستشفى عشان نثبت الجريمة في دمها قبل ما مفعول الدواء يروح!”.
​الفخ القانوني
​نزلت من البيت بسرعة بحجة إني رايح الصيدلية.. عديت على عم محمد البواب اللي كان واقف خايف.. قولتله: “يا عم محمد.. الجواب وصل، وأنا مش زعلان منك.. بس عايزك تقولي الحق، نهى كانت بتعمل إيه مع أمي؟”.
​عم محمد بكى وقال: “يا أحمد بيه.. الست نهى هددتني بالطرد من العمارة لو فتحت بوقي.. كانت بتدلق أكل الحاجة في الزبالة قدام عيني وتقولي متقولش لأحمد.. والحاجة فاطمة هي اللي حرجت عليا أديك الجواب الصبح عشان تكون مشيت ومتحصلش خناقة قدامها”.
​أخدت عم محمد معايا في العربية، وطلعنا على قسم الشرطة.. عملت البلاغ، والظابط لما قرأ الجواب وشاف علبة الدواء، ملامحه اتغيرت وطلب قوة تتحرك معايا فوراً للبيت عشان تضبط المتهمة متلبسة بالدواء والأدوات اللي بتستخدمها، وقوة تانية تروح لدار المسنين عشان تسحب عينة دم من أمي للطب الشرعي.
​رجعنا البيت، ومعايا البوكس ورجال الشرطة.. دخلت الشقة، نهى كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون وبتشرب قهوة بمنتهى الروقان وكأنها خلصت من هم كبير.. أول ما شافتني ومعايا الظابط والعساكر، قامت مفزوعة والكبابة وقعت من إيدها اتكسرت: “في إيه يا أحمد؟ مين الناس دي؟!”.
​الظابط تقدم وقال بلهجة حازمة: “الست نهى؟ أنتِ مقبوض عليكي بتهمة الشروع في قتل الحاجة فاطمة عن طريق وضع مواد مخدرة وسامة في طعامها بهدف إتلاف خلايا المخ”.
​نهى وشها بقى أبيض زي الأموات، وبصتلي بذهول وصوتها بقى يرعش: “أحمد! أنت بتصدق الكلام ده؟ دي أمك مجنونة وعايزة تخرب بيتنا!”.

تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى