روايات وقصص

بعد جوازنا مباشرة

بعد جوازنا مباشرة، حماتي رمت في وشي عقد إيجار وقالت لي: لو هتعيشي في شقة العيلة هتدفعي ألف ونص جنيه كل شهر.. ابتسمت بكل برود وقلت لها: خلاص هرجع لشقتي الملك.. جوزي وقف مذهول وهو مش مصدق: عندك شقة ملك إنتي كمان؟!.. وطبعاً حماتي مفكرة إني عايشة في مكان قديم، فجابت 25 فرداً من العيلة عشان ييجوا يتفقدوني ويتصرفوا معايا باستهزاء.. لحد ما وقفوا قدام أبراج نايل سيتي الفخمة، وشافوا البنت اللي استحقروها قاعدة في البنتهاوس الفاخر، وبدل الشماتة، بقوا بيترجوني أنساهم!

لو عاوزة تعيشي في شقة عيلتنا، يبقى تدفعي ألف وخمسمائة جنيه إيجار كل شهر!

حماتي إنعام رمت عقد الإيجار على الترابيزة بكل صلافة، وعينيها بتلمع بالشماتة.

بصيت في الورقة ولقيت مكتوب اسمي تحت كلمة المستأجرة، ففضلت متسمرة مكاني بصدمة.

ابتسمت باستخفاف وقالت:

واحدة زيك جاية من حتة شعبية ملهاش أصل، مفروض تحمدي ربنا إنا دخلناكي وسطينا!

بصيت لهشام جوزي وقلت بوجع:

أنت ساكت وموافق أمك تطلب مني إيجار في بيتي اللي المفروض عش الزوجية؟!

حط فنجان القهوة بتاعي بحدة وقال بغضب:

بطلي نكد وهسترة يا هالة! مرتبك المحدود مبيعملش حاجة، واعتبري ده فضل مننا!

قفلت اللابتوب بتاعي بكل هدوء.

تمام.. يبقى هرجع لشقتي الملك في الزمالك!

إنعام ضحكت بسخرية مرعبة:

سيبيها ترجع لمكانها القديم.. الفقر هيعلمها الأدب!

ويوم الحد، حماتي جابت ميكروباص وجمعت خمسة وعشرين فرد من العيلة والأقارب عشان يطلعوا يتفقدوا المكان ويتصرفوا معايا باستهزاء في بيتي القديم المزعوم..

وقفوا قدام العمارة، وكانت المفاجأة إن الميكروباص وقف قدام أبراج نايل سيتي الفخمة في التجمع.. أرقى وأغلى أبراج سكنية في مصر!

حماتي قربت من الاستقبال وهي رافعة مناخيرها للسماء:

عايزين الشقة بتاعت هالة.. ودلونا على مصعد الخدم لو سمحتم!

موظف الاستقبال بص في اللاب توب وقال بكل برود:

يا فندم مفيش عندنا اسم بالاسم ده.

إنعام ضحكت بأعلى صوتها:

أنا قلت كدابة.. دي حتى بتكدب في عنوانها!

بس هشام وشه أصفر وباقي لون الكفن لما نطق بسرعة:

استنى.. جربي اسمها قبل ما تتجوز.. هالة الشناوي!

الموظف وقف فوراً، ظبط بدلته، وبكل احترام ووقار قال:

أهلاً بحضرتك يا فندم.. دي المدام هالة هانت.. وأنتوا غالباً الضيوف اللي هانم البيت نبهتنا لوصولهم!

وعقد حواجب العيلة كلها لما كمل:

اتفضلوا.. هطلعكم بأسانسير البنتهاوس الخاص!

يا ترى إيه اللي حصل أول ما دخلوا البنتهاوس وشافوا هالة وهي هانم المكان؟ وإزاي هشام وإنعام هيتحولوا من الغرور للذل؟ انتظروا الجزء الأخير.. المفاجأة هتغير كل حساباتهم للأبد!

الجزء الثاني: الباب الذي فُتح ولم يتوقعوه

بقوا متسمّرين مكانهم، وعيونهم تتسع واحدة تلو الأخرى. المصعد كان من الزجاج المقسّى، وصعد بسلاسة عبر الطوابق العالية، فبدت لهم القاهرة من الأعلى كأنها لوحة فنية ساحرة. لم يتكلم أحد.. صمت ثقيل ساد، لم يقطعه سوى همسات خجولة من هنا وهناك. لما وصلنا للطابق الأخير، انفتحت الأبواب ببطء، فوجدوا أنفسهم أمام باب ضخم مصقول، وفي انتظارهم بواب بزي أنيق انحنى باحترام:

أهلاً بكم.. تفضّلوا، المدام في انتظاركم.

دخلوا واحدًا وراء واحد، وكأنهم يدخلون قصرًا وليس شقة. الصالة كانت فسيحة، بأرضية من الرخام الإيطالي اللامع، ونوافذ تمتد من الأرض حتى السقف تطل مباشرة على النيل وأضواء المدينة الساحرة. الأثاث راقٍ وبسيط في آن واحد، لا تكدس ولا مبالغة، فقط ذوق رفيع يتحدث عن صاحبته بكل هدوء.

كنت واقفة عند النافذة، أرتدي ثوبًا بسيطًا أنيقًا، ولما التفتُّ إليهم، وجدتهم واقفين كالغرباء.. خجولين، مترددين، نظراتهم تتجول في كل ركن دون أن يجرؤ أحد أن يجلس. هشام كان واقفًا في الخلف، وجهه شاحبًا، وعيناه لا تصدق ما تراه. أما إنعام فكانت فمها مفتوحًا بدهشة لا تُخفى، ويدها تتحسس الحائط كأنها تتأكد إن كان حقيقيًا أم لا.

قلت بصوت هادئ ومددت يدي للإشارة إلى الكنب الفاخر:

تفضلوا بالجلوس. لم أتوقع زيارتكم المفاجئة، لكن الباب دائمًا مفتوح لمن يحسن التعامل.

جلسوا بحرج شديد، وبقوا ينظرون لبعضهم البعض، ثم إليّ. لم أبدأ بالكلام.. تركتهم يأخذوا وقتهم ليدركوا أين هم، ومع من يتعاملون.

الجزء الثالث: الحقيقة التي هزّت كرسيهم

بعد دقائق صمت طويلة، تجرأت ابنة خالتها وتكلمت بصوت خافت:

إذًا.. البيت ده بتاعكِ أنتِ؟ من زمان؟

ابتسمت بهدوء وقلت:

أبي رحمه الله تركه لي قبل وفاته بخمس سنوات. لم أخفِ الأمر.. سألني هشام قبل الزواج قلت له إن عندي مسكني الخاص، لكنه قال لي بيت العيلة بيتك، مش محتاجين لشقة تانية. وقلت له طيب، بيتي مؤجر حاليًا، ولو احتجناه في يوم فهو جاهز. ولم أتخيل أن العيش معكم سيصبح بثمن وقدره ألف وخمسمائة جنيه شهريًا إيجارًا!

نظرت لإنعام مباشرة وهي تتململ في جلستها بحرج بالغ:

يا حاجة إنعام، أنا لم أتردد في دفع أي تكاليف مشتركة طوال فترة إقامتي معكم. لكن أن تُكتب لي عقد إيجار وتُعامل كزائرة تدفع ثمن كل ليلة تنامها في بيت زوجي.. فهذا شيء لم أتوقعه أبدًا.

هشام حاول أن يبرر بصوت متعثر:

ده.. ده مجرد كلام عادي يا هالة، أمي كانت تقصد.. يعني المساعدة في المصاريف مش إيجار بالمعنى الحرفي!

هزأت رأسي ببطء:

كلمة إيجار مكتوبة في العقد يا هشام، ومكتوب اسمي كمستأجرة. والمبلغ مُحدد والتاريخ مُحدد. لم أجادلك حينها.. قلت لك بكل بساطة سأعود لبيتي. وهنا أنا في بيتي، بملكي، بكل حقوقي، ولا أحد يطلب مني شيئًا ولا أحد يقرر لي أين أجلس وكم أدفع.

كان الصمت جوابًا منها جميعًا. لم يعد أحد يملك كلمة يقولها.

الجزء الرابع: الندم الذي جاء متأخرًا جدًا

مرت ساعة كاملة، وبعضهم بدأ ينهض ليغادر بخجل شديد. لكن إنعام بقيت مترددة، ثم اقتربت مني خطوة بخطوة، وكأنها تخلع عباءة الكبرياء المزيفة عن كتفيها شيئًا فشيئًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى