
إيما كانت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لها في اليوم ده، إنها تكتشف تدهور صحة أبوها المريض، لكن مكنتش تعرف إن رحلة الطيران اللي ركبتها وهي منهكة من التعب، هتكون بداية حكاية عمرها ما تخيلت إنها تعيشها، حكاية هتجمعها بأخطر وأغنى راجل في المدينة، راجل الناس كانت بتخاف من مجرد سماع اسمه، واللي محدش شاف منه رحمة أو شفقة طول سنين عمره!
كل اللي حصل بدأ لما بنت غلبانة نامت من التعب، وسندت راسها على كتف راجل لو كان عرفت هو مين، كانت ممكن تفضل واقفة طول الرحلة من الخوف!
إيما كانت بنت في أواخر العشرينات، جميلة بملامح هادية وعينين فيهم طيبة، لكن الأيام الأخيرة كانت سايبة آثارها على وشها. الهالات السودا ظهرت تحت عينيها، وشعرها البني كان مربوط بسرعة ورا راسها، وملامحها بقت شاحبة من قلة النوم والإرهاق.
كانت بتشتغل ممرضة في مستشفى صغير في المدينة، مستشفى إمكانياته محدودة، وعدد الممرضين فيه أقل بكتير من احتياجات المرضى. وعلشان كده، كانت إيما بتضطر تشتغل ورديات متواصلة، ساعات تبدأ شغلها الصبح وتفضل لحد آخر الليل، وفي أيام تانية كانت بترجع بيتها ساعتين أو تلاتة، وبعدين تلبس هدومها وترجع المستشفى تاني.
مكانتش بتشتكي، حتى لما جسمها كان بيصرخ من التعب.
كانت دايمًا تقول لنفسها إن الأيام الصعبة دي هتعدي، وإن كل المجهود اللي بتبذله له معنى، خصوصًا إنها كانت بتشتغل علشان تصرف على أبوها.
أبوها كان أغلى إنسان عندها في الدنيا. هو اللي رباها بعد رحيل أمها، وهو اللي ضحّى بشبابه وراحته علشان يوفر لها حياة كريمة. كان راجل بسيط، اشتغل طول عمره بإيده، وعمره ما مد إيده لحد أو طلب مساعدة من أي إنسان.
لما إيما كانت صغيرة، كانت بتفتكر إنه أقوى راجل في العالم. لو خافت من حاجة، كان يقف جنبها ويقول لها:
طول ما إنتِ مش بتأذي حد، ومتمسكة بالحق، متخافيش من أي حد يا بنتي.
وكانت بتصدقه.
لكن السنين عدت، وأبوها كبر، وصحته بدأت تضعف، لحد ما جه اليوم اللي اكتشفت فيه إيما إن الراجل اللي كان دايمًا بيحميها بقى هو اللي محتاج حد يحميه.
في البداية، الموضوع كان مجرد تعب متكرر ودوخة بسيطة. كان بيقول لها إنه مرهق، وإنه محتاج يرتاح شوية. وكل ما كانت تطلب منه يروح المستشفى، كان يبتسم ويطمنها:
أنا كويس يا إيما، متقلقيش عليّا. إنتِ اللي بتشتغلي ليل ونهار، وخايف عليكي أكتر ما إنتِ خايفة عليّا.
لكن حالته بدأت تسوء بسرعة.
وفي يوم، وهو قاعد في البيت، وقع فجأة، واضطرت إيما تنقله للمستشفى اللي بتشتغل فيها.
بعد الفحوصات الأولية، الأطباء اكتشفوا إن حالته محتاجة فحوصات متخصصة وأجهزة مش متوفرة عندهم. كان لازم يسافر لمدينة تانية علشان يخضع لفحص مهم، والفحص ده ممكن يحدد خطة العلاج المناسبة وينقذ حياته لو اتعمل في الوقت المناسب.
المشكلة إن تكاليف السفر والفحص والعلاج كانت أكبر من كل اللي إيما قدرت تجمعه طول السنين اللي فاتت.
وقفت قدام مكتب الطبيب، وإيديها بتترعش وهي بتسأله:
يعني مفيش أي حل تاني؟ مفيش مستشفى هنا تقدر تعمل الفحص ده؟
الطبيب بص لها بحزن وقال:
يا إيما، إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه بالإمكانيات الموجودة عندنا. أبوكي محتاج الفحص ده في أسرع وقت. كل ما نتحرك بدري، فرصتنا في مساعدته هتكون أفضل.
خرجت إيما من المكتب وهي حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
كانت بتحاول تتمالك نفسها، لأنها لو انهارت، مين هيفضل جنب أبوها؟
راحت قعدت في طرقة المستشفى، وفتحت حسابها البنكي على الموبايل. فضلت تبص للرقم الموجود قدامها، وكأنها مستنية الأرقام تزيد لوحدها.
لكن الحقيقة كانت قاسية.
الفلوس مش كفاية.
اتصلت بأكتر من شخص تعرفه، وسألت عن أي مساعدة ممكن تحصل عليها، وحاولت تدبر المبلغ بأي طريقة. وفي نفس الوقت، كانت بتاخد ورديات إضافية في المستشفى علشان تجمع أكبر قدر ممكن من الفلوس.
عدى يوم، وبعده يوم تاني.
وفي الليلة التالتة، كانت إيما واقفة في ممر المستشفى، بتحاول تركز في شغلها، لكنها كانت حاسة إن عينيها بتقفل غصب عنها.
كانت تقريبًا مبطلتش شغل ولا نومها كان منتظم من حوالي تلات أيام.
كل ما تغمض عينيها للحظة، كانت تفوق مذعورة، وتبص حواليها علشان تتأكد إن مفيش مريض محتاجها.
وفي وسط كل ده، وصلها اتصال غيّر يومها بالكامل.
كان المستشفى المتخصص في المدينة التانية وافق يستقبل أبوها علشان يعمل الفحص المطلوب، لكن لازم يوصل في الموعد المحدد.
أول ما سمعت الخبر، قلبها دق بسرعة.
أخيرًا ظهر أمل!
لكن الأمل ده كان محتاج قرار سريع. لازم تحجز تذكرة طيران في أقرب رحلة، وتوصل مع أبوها، وتبدأ الإجراءات الطبية قبل ما تضيع الفرصة.
وبعد حسابات كتير، اكتشفت إن أرخص حل هو إنها تسافر بالطيران، لأن الرحلة البرية هتستغرق وقت طويل، وحالة أبوها مكنتش تسمح بالتأخير.
حجزت التذكرة المتاحة بأقل سعر، وبدأت تجهز الأوراق الطبية، وتحط التقارير والتحاليل في ملف صغير.
كانت بتتحرك كأنها آلة، من غير ما تفكر في إنها محتاجة تنام أو تاكل.
كل اللي كان في دماغها إنها لازم تلحق أبوها.
وفي صباح يوم السفر، وصلت المطار وهي شايلة شنطة ظهر صغيرة، وفي إيدها ملف المستندات الطبية. كانت عينيها حمرا من السهر، ووشها شاحب، وخطواتها بطيئة.
وقفت عند بوابة الصعود للطائرة، وبصت على الموبايل علشان تتأكد من رقم الرحلة للمرة العاشرة.
وبصوت واطي، قالت لنفسها:




