روايات وقصص

بناتي بتنام على الكنبة

حماتي كانت كل ما نزورها تفرش لأولاد ضرتي على السراير، وتقول لبناتي ناموا جنب بعض على الكنبة البنات يستحملوا. كنت بسكت عشان خاطر جوزي، لحد الليلة اللي بنتي صحّت من النوم وهي ، وقالت جملة خلتني آخد شنطتي وأقرر إن دي آخر مرة ندخل فيها البيت ده.
من أول يوم اتجوزت، كنت بحاول أكسب رضا حماتي. أقول يمكن الأيام تغيرها. يمكن تحبني مع الوقت. يمكن تشوفني زي بناتها. يمكن القلب اللي مليان غل يلين شوية لما تشوفني بحب ابنها وبخدمه وبحافظ على بيته. لكن اللي كان بيتغير هو وجع قلبي بس، كان بيكبر وبيعمق كل ما مرّ يوم، وكل ما شفت نظرة العين اللي بتفرق بيننا وبين غيرنا، نظرة بتقول من غير كلام إنتوا هنا ضيوف، ومش من أهل البيت.

كل مرة كنا نروح نزورها ونبات عندها، كانت تعمل نفس الحاجة بالحرف. تفرش أوضة الأطفال لأولاد ضرتي، كل واحد له سرير لوحده، مخدة بيضاء نضيفة، وبطانية دافئة، وحتى الألعاب كانت مرتبة جنب كل سرير، كأنها بتقول لهم كل ده لكم، إنتوا أصحاب المكان. أما بناتي فكانت تجيب الكنبة الصغيرة اللي في الصالة، اللي طولها ما يكفيش بنتي الكبيرة تمد رجليها بالكامل، وتقول بابتسامة باردة ما تطلعش من القلب ناموا جنب بعض البنات يستحملوا.

في الأول كنت أقول لنفسي ليلة وهتعدي، وندير وجوهنا ونرجع بيتنا. لكن الليلة دي بقت كل زيارة، كل مرة نروح نضطر نبات عندها، تُعاد نفس المشهد، ونفس الكلام، ونفس الشعور بالمهانة اللي بيمرّ على قلبي كالسكين. ولو حاولت أطلب بكل أدب إن البنات ياخدوا مكان على سرير، ترد بسرعة وبتأكيد ما فيهش مجال للنقاش الولاد بيتقلبوا في النوم ومش بيستقروا، محتاجين متسع. البنات أهدى، بيقعدوا مرتاحين. والغريب إن حتى لما كان فيه فاضي ما حدش بيقرب منه، كانت ترفض تفرشه لبناتي، كأن عليه لعنة، أو كأن فيه سرّ ما حدش يقدر يعرفه.

مرة بنتي الكبيرة، اللي كانت في سنّ السؤال عن كل حاجة، سألت حماتي ببراءة وطيبة قلب ما تتناسب مع اللي بتعيشه تيتة هو أنا عملت حاجة غلط عشان ما أنامش على زي الأولاد؟. ضحكت حماتي بضحكة خفيفة ما وصلتش لعينها، ومسكت شعرها وقالت لا يا حبيبتي بس إنتوا بنات، والبنات بيعرفوا يستحملوا. الدنيا كده يا بنتي، مش كل حاجة تتاح للكل. الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام وليالي، بتقطع فيّ كل ما أتذكرها، بتخليني أحس إني مقصرة، إني مش قادرة أحمي بناتي من نظرة الناس ومن كلامهم، وحتى من قريبهم.

كل مرة أبص لبناتي وهما بيصحوا من النوم، ووجوههم مكدودة، وأكتافهم متجمدة من الضيق على الكنبة الضيقة، أحس بوجع في قلبي بيقسى مع الوقت. وكنت أستنى من جوزي كلمة تُواسيني، أو موقف يحمينا، لكنه كان في كل مرة يقولي بنبرة ملل تخليني أسكت من غير رد دي ليلة واحدة وتهون، متكبريش الموضوع وتعملي فيها مشاكل. أمي كبيرة في السن وعاداتها قديمة، نصبر عليها ونعدّيها. فأصبر وأسكت وأكتم الغصة في حلقي، وأقول للبنات اصبروا يا حبايبي، هنرجع بيتنا قريب وهترتاحوا.

عدت سنين وأنا بسكت، وأكتم ألمي، وأحاول أتجاهل الفروقات اللي كانت تظهر في كل صغيرة وكبيرة. في الأكل أولاد ضرتي ياخدوا أحسن القطع وأكثرها، وبناتي يأكلوا اللي يتبقى. في الهدايا لهم أشياء ثمينة ومفيدة، ولهم أشياء بسيطة أو مش مناسبة. في الكلام لهم ضحك وحنان ومدح، وبناتي كلام قليل وكلّه أوامر وتبكيت. وكنت أقول هي كده طبيعتها، بتحب الولاد أكتر، دي عادات قديمة وهتتغير. لكنها ما تغيرتش، وكل زيارة كانت بتثبت لي إن المسألة مش عادات، المسألة إنها بتفرق في القلب قبل الكلام.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى